كذبة أوت الإخوانية.. حين تُوظَّف «العنوسة» لضرب مجلة الأحوال الشخصية….

لا يوجد شيئ اسمه المرصد الوطني للمرأة….
3.5 ملايين عزباء».. أكبر كذبة تتكرر في تونس كل شهر أوت…
أخذنا بظاهر الأرقام، وجب أن نتحدث عن «عنوسة الرجال» قبل الحديث عن «عنوسة النساء….
مجموعة من الاراجيف التي اطلقها الاخوان سماها الدكتور محمد الحداد كذبة الشتاء والصيف .
لقد كان لقريش رحلتان: رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف. وللإخوان في تونس كذبتان: واحدة يطلقونها في شهر رمضان، والثانية في شهر أوت.
وهذا ليس بالجديد فقد تضلع الاخوان في اجترار كذبة رمضان، ومضمونها أن بورقيبة خطب في الناس يدعوهم إلى الإفطار، وأن الشيخ ابن عاشور كذّبه على رؤوس الملأ، إلى آخر هذه الأسطورة التي اختلقها الواعظ المتطرف عبد الحميد كشك، ولا سند لها كما اكد ذلك الدكتور محمد الحداد .
ومع ذلك، فإن نسبة كبيرة من التونسيين تظن أنها صحيحة.
أما الكذبة الثانية فتُطلق مع حلول كل شهر أوت، لأنّ فيه ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية. ففي كل سنة، ينشر الإخوان بكثافة معطًى إحصائيًا خاطئًا، من قبيل المعطى المرفق بهذه التدوينة. وقد رأيت أساتذة وأشخاصًا محترمين يعلّقون عليه مصدقين له ومحاولين تبريره، فما بالك ببقية الناس الذين يخضعون، منذ الثورة على الأقل، إلى قصف دعائي مكثف يتم بطريقة منظمة ومحكمة؟
كيف يمكن، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 12 مليون نسمة، أن يوجد 3.5 ملايين امرأة غير متزوجة؟ هذا الرقم هو، في الحقيقة، أقرب إلى رقم النساء فوق سن الثلاثين عمومًا، المتزوجات وغير المتزوجات. ولا يوجد شيء اسمه «المرصد الوطني للمرأة»، كما أن المؤسسة الرسمية المختصة بالإحصاء في تونس (المعهد الوطني للإحصاء) لا تقدم رقمًا مباشرًا لعدد النساء العازبات فوق سن الثلاثين. وببعض العمليات الحسابية والمنطقية، يمكن الاستنتاج أن عدد الرجال من سن فوق الثلاثين سنة غير المتزوجين هو أعلى من عدد النساء من سن فوق الثلاثين سنة غير المتزوجات.
وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب إذا أخذنا بعين الاعتبار طول فترة الدراسة، وصعوبات الانتقال إلى الحياة المهنية، وصعوبات الولوج إلى سوق الشغل، وارتفاع كلفة الحياة وكلفة الزواج في تونس. وإذا أخذنا بظاهر الأرقام، وجب أن نتحدث عن «عنوسة الرجال» قبل الحديث عن «عنوسة النساء.
لكن الإخوان يستغلون مبدأ غوبلز الشهير القائم على أن الكذبة كلما كانت أبعد عن الحقيقة كان انتشارها أيسر.
فيعمدون، أولًا، إلى التلاعب بالأرقام، ويراهنون، ثانيًا، على إحياء النظرة التقليدية التي تعتبر أن تجاوز المرأة سن الثلاثين من دون زواج يعني «العنوسة». وقد يكون هذا التصور مفهومًا في سياقات اجتماعية قديمة، لكنه لم يعد منطبقًا على واقع اليوم، بعد أن تغيرت مدة التعليم، وشروط العمل، والأوضاع الاقتصادية، وكلفة الحياة والزواج.
ولو حافظنا على النظرة التقليدية نفسها وأسقطناها حرفيًا على أوضاع اليوم، لكان علينا أيضًا أن نطبّق الأحكام القديمة التي كانت تشكك في رجولة الرجل وقدرته الجنسية إذا تأخر في الزواج. والحقيقة أن لكل عصر أوضاعه، ولكل مرحلة اجتماعية مقاييسها في النظر إلى هذه الأوضاع.
فمشكلات الزواج والطلاق في تونس لها تفسيرات اجتماعية واقتصادية ينبغي البحث فيها بجدية، ومن أهمها ارتفاع نسبة البطالة، مقابل الارتفاع الكبير في تكاليف الزواج، والإنفاق المبالغ فيه لإرضاء الأسرة والتقاليد أكثر من الاستجابة إلى حاجات الزوجين وإمكاناتهما. وهذا يجعل بداية الحياة الزوجية، في حالات كثيرة، بداية مالية صعبة ومعقدة، تُلقي بآثارها لاحقا على مجمل العلاقة بين الزوجين.
وبدل التفكير في حلول اجتماعية واقتصادية لهذه الأوضاع، تُصبّ النقمة على مجلة الأحوال الشخصية، ومنها على بورقيبة، ثم على الدولة الوطنية، خدمة لغايات الإخوان، لا خدمة للنساء، ولا للعائلة، ولا للفضيلة.
يقال إنّ الطلاق أصبح سهلا اليوم، لكن هل هو أكثر سهولة من العصر السابق لمجلة الأحوال الشخصية، عندما كانت تكفي كلمة “أنت طالق” لإيقاع الطلاق؟
الثابت ان هذه المغالطات تنطلي على الكثيرين في تقدير الدكتور محمد الحداد، ولا تقتصر على أتباع الإخوان، ولا حتى على عامة الناس. بل إن عدد الذين تنطلي عليهم هذه الأكاذيب يتسع ويتضخم بمرور السنوات، وهم، بوعي أو من دون وعي، يصدرون الكثير من أحكامهم ومواقفهم انطلاقًا من هذه المغالطات.
وطبعًا، لا الدولة، ولا الكريديف، ولا المجتمع المدني، ولا أي طرف آخر، يخطر له أن يتوقف بجدية أمام عمليات التضليل المدروسة هذه، التي تُنظم منذ سنوات بدقة وإحكام، فيواجهها بعمل مضاد لا يقل عنها دقة وإحكاما، يقوم على نشر الأرقام الصحيحة وتقديم التفسير الموضوعي للأوضاع.
وهكذا تُترك هذه المغالطات لتتوسع وتنتشر وتترسخ، سنة بعد أخرى.



