ضريح ماسينيسا في دقة وليس في الجزائر
تونس اونيفارنيوز -كلما عاد الحديث عن نوميديا، عاد معه إشكال لا يتعلق بالتاريخ وحده، وإنما بكيفية قراءة التاريخ نفسه لدى جيران تونس الراغبين في السطو على تاريخها وتراثها. فثمة محاولة متكررة وفاشلة لربط نوميديا بالجزائر الحالية، انطلاقا من اتساع رقعة المملكة النوميدية في مراحل مختلفة نحو الغرب، وكأن الحدود السياسية التي تفصل تونس عن الجزائر اليوم كانت قائمة في القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد. وهذه القراءة تتجاهل أبسط قواعد البحث التاريخي التي أساسها أن الحضارات والممالك القديمة لا تُنسب إلى الدول الحديثة على أساس الحدود الراهنة، وإنما تُنسب إلى مواطن نشأتها ومراكزها السياسية والثقافية والحضارية.
ومن هذا المنظور، فإن نوميديا تونسية في نشأتها ومركزها التاريخي، حتى وإن امتدت مملكتها في مراحل من تاريخها إلى مناطق تقع اليوم داخل التراب التونسي الذي منحه الإستعمار العثماني ثم الفرنسي للجزائر والذي يسمى اليوم الشرق الجزائري. فالإمتداد السياسي والجغرافي لأي مملكة لا يغير موطن نشأتها ولا يمحو مراكزها الأولى وإلا لجاز للإسبان مثلا نسبة الدولة الأموية لأنفسهم باعتبارها امتدت من دمشق، موطن نشأتها، إلى الأراضي الإسبانية الحالية في زمن اعتنقت فيه الأندلس الديانة الإسلامية.
ولعل أبرز ما يثبت أن نوميديا تونسية، هو أن دقة، المدينة التاريخية التونسية التي لا تبعد كثيرا عن قرطاج وعن مدينة تونس عاصمة الجمهورية التونسية منذ العهد الحفصي، والتي تبعد كثيرا عن الحدود الجزائرية الحالية، وبينها وبين مدينة الجزائر مسافات شاسعة جغرافية وفكرية وحضارية، هي التي نشأت فيها هذه المملكة النوميدية. فدقة ليست مجرد مدينة أثرية سياحية جميلة تتضمن معابد ومسارح وشوارع متقنة التخطيط والبناء، بل هي مزيج من طبقات التاريخ والحضارات، من بينها الطبقة النوميدية التي سبقت السيطرة الرومانية على المدينة بقرون. وقد وصفتها اليونسكو ضمن ملفها الخاص بالموقع باعتبارها أول عواصم المملكة النوميدية، وهو توصيف يكفي وحده لإعادة النظر في كل محاولة تجعل الجغرافيا النوميدية تبدأ من مكان آخر.
إن دقة الموجودة اليوم في قلب تونس، وليست حتى منطقة حدودية، ليست مجرد شاهد هامشي على نوميديا، بل هي المركز الذي تبلورت فيه المملكة النوميدية. كما أن ماسينيسا، الشخصية المؤسسة للمملكة النوميدية الموحدة، يرتبط بهذا المجال ارتباطا وثيقا ففيه ولد ونشأ باعتراف موقع البريد الجزائري “قبل أن يتم حذف المعلومة لأسباب معلومة”. ولذلك فإن محاولة فصل ماسينيسا عن دقة وعن المجال التونسي الحالي هي محاولة لفصل الشخصية عن جغرافيتها التاريخية.
ماسينيسا بين قرطاج ونوميديا
وحتى سيرة ماسينيسا نفسها تكشف أن تاريخ شمال إفريقيا القديم كان أكثر تعقيدا من التقسيمات الوطنية التي نعرفها اليوم. فقد عاش ماسينيسا في عالم كانت قرطاج مركزه السياسي والاقتصادي والعسكري الأهم في شمال إفريقيا. وكان جنديا في الجيش القرطاجي قبل أن تتغير التحالفات خلال الحرب البونية الثانية، ثم تحول إلى أحد أبرز خصوم قرطاج وحلفاء روما.
وهذا التفصيل ليس هامشيا، لأنه يكشف طبيعة العلاقة بين قرطاج ونوميديا. فالمملكة النوميدية لم تنشأ في فضاء معزول عن الحضارة القرطاجية، بل تشكلت في محيط سياسي وثقافي كانت قرطاج أهم مكوناته. وقد تداخلت العلاقات بين القرطاجيين والنوميديين في التجارة والحرب والسياسة والثقافة، قبل أن يتحول الصراع بين الطرفين في أواخر عصر قرطاج إلى أحد محددات تاريخ المنطقة.
وإذا كانت دقة أهم المراكز المرتبطة بماسينيسا والمملكة النوميدية، فإن الكاف سيرتا والمواقع الأثرية للشمال الغربي التونسي تفتح بدورها بابا واسعا أمام قراءة الجغرافيا النوميدية. وتأتي في مقدمة هذه المواقع مائدة يوغرطة في قلعة سنان من ولاية الكاف التونسية، وهي أكثر المعالم ارتباطا بذاكرة يوغرطة والصراع النوميدي الروماني.
ولا يتعلق الأمر بموقع أثري منفرد، بل بمنطقة بأكملها تتقاطع فيها الجغرافيا مع الروايات التاريخية. فقلعة سنان والكاف سيرتا ووادي ملاق والمجال الممتد حولها تشكل فضاء مركزيا لفهم تاريخ يوغرطة.
وللإشارة فقد ربطت عديد الدراسات العلمية التاريخية الجادة والمحايدة سيرتا بالمجال التونسي، ولا سيما بمدينة الكاف التونسية. فقد ذهب على سبيل المثال الباحث الفرنسي أندري برتيي إلى تأكيد أن سيرتا هي مدينة الكاف التونسية، وربط بعض المعطيات الواردة في المصادر القديمة بوادي ملاق في تونس وليس بوادي ملوية في المغرب.
وحتى لو سلمنا جدلا بامتداد نوميديا التونسية إلى أجزاء واسعة من الجزائر الحالية، فإن هذا لا يجعل نوميديا “جزائرية” بالمعنى الذي تحاول بعض القراءات المعاصرة تكريسه. فالمملكة كانت أقدم من الدولة الجزائرية الحديثة بقرون طويلة، كما أن مفهوم الحدود الوطنية الذي نعرفه اليوم لم يكن موجودا خلال العصر النوميدي.
ولذلك فإن الاستدلال بوجود مواقع نوميدية في الجزائر الحالية لإثبات أن نوميديا جزائرية يشبه تماما القول بأن الحضارة الرومانية تنتمي إلى كل البلدان التي احتلتها روما وتوسعت فيها. ولو اعتمدنا المنطق الجزائري لشاركت إسبانيا تونس في الحضارة القرطاجية باعتبار تمدد قرطاج وتغلغلها عسكريا وإداريا وثقافيا وحضاريا في شبه الجزيرة الإيبيرية، لكن الإسبان كانوا أكثر وعيا وإدراكا لحقائق التاريخ ولم يعتمدوا المنطق الجزائري واحترموا نسبة الحضارة القرطاجية إلى أهلها.
التمدد لا يساوي النشأة
تتمثل القاعدة في أن الدولة إذا توسعت من مركزها الأصلي، فإن الأراضي التي دخلت تحت سيطرتها تصبح جزءا من مجالها السياسي، لكنها لا تتحول إلى موطن نشأتها. وإذا انكمشت حدودها لاحقا مثلما حصل مع تونس، فإن فقدانها لبعض المناطق لا يؤدي إلى تغيير مكان نشأتها وهذا بالضبط ما ينبغي تطبيقه على نوميديا التونسية.
ولهذا فإن الحديث عن تونسية نوميديا لا يعني الادعاء بأن كل الأراضي التي حكمها النوميديون تقع اليوم داخل تونس الحالية. بل يعني أن مركز نشأة نوميديا وتكوينها السياسي والحضاري موجود في المجال الذي تمثله تونس اليوم، وأن تونس تحتفظ بمواقع مركزية تعتبر هي الأساس عند كتابة تاريخ المملكة النوميدية.
دقة، ضريح ماسينيسا الحقيقي في دقة (وليس المعلم البوني في الجزائر الذي ينسبه بعض الجزائريين زورا لماسينيسا)، ومائدة يوغرطة، وقلعة سنان، والكاف سيرتا، ووادي ملاق، وغيرها من المواقع ليست تفاصيل ثانوية يمكن وضعها في هامش الرواية. إنها أساس جغرافيا كاملة تجعل تونس المركز في تاريخ نوميديا، لا مجرد دولة توجد داخلها بعض آثار نوميديا.
نوميديا امتدت، نعم، حكمت أراض تقع اليوم في تونس وخارجها، نعم. لكن ذلك لا يلغي السؤال الأهم، أين تشكلت؟ وأين كانت مراكزها؟ ومن أي مجال خرجت شخصياتها الكبرى؟ وأين توجد شواهدها الأساسية؟ وعندما تُطرح هذه الأسئلة بعيدا عن الخرائط السياسية الحديثة، تظهر تونس في قلب الإجابة.
لذلك فإن محاولة جعل نوميديا جزائرية لأنها امتدت إلى أراضٍ تقع اليوم داخل الجزائر هي قلب لمنطق التاريخ. أما القول بأن نوميديا تونسية في نشأتها ومركزها التاريخي، فهو قراءة تستند إلى الجغرافيا والآثار والتاريخ، وتعيد النقاش إلى قاعدته الصحيحة وهي أنه لا يجوز أن نعيد كتابة تاريخ العالم القديم بأقلام اعتادت على رسم حدود الدول الحديثة، وهي حدود مؤقتة وزائلة مهما طال الزمن.
ماجد البرهومي كاتب سياسي




