أخبار مهمة

زيارة البابا.. والانتخابات: صدفة أم تقاطع سياسي؟

 تونس -أونيفار نيوز -هل زيارة البابا إلى فرنسا في هذا التوقيت بالذات مجرد زيارة دينية فرضها جدول رعوي عادي، أم أن تزامنها مع ظرف سياسي وانتخابي شديد الحساسية يجعل منها حدثاً يستحق قراءة تتجاوز بعدها الديني؟

المؤرخ جعفر الأكحل يعتبر أن الاشكال لا يتعلق بالبابا ولا بالكنيسة في حد ذاتهما، وإنما باللحظة الفرنسية التي تأتي فيها الزيارة. 

ففرنسا، الدولة التي تقوم جمهوريتها على مبدأ العلمانية، تشهد هذه الفترة احتقاناً سياسياً وتصعيداً انتخابياً واضحاً، وفي المقابل يعود الخطاب الديني، من خلال زيارة البابا، إلى واجهة المشهد العام بصورة لافتة.

والأكثر إثارة للانتباه أن الزيارة لم تقتصر على الفضاءات الدينية، بل اختارت أيضاً فضاءات جماهيرية ورياضية ضخمة، والتقت بجمهور شبابي واسع، خصوصاً من الفئة العمرية بين 18 و35 سنة. ومن أبرز هذه اللقاءات ذلك الذي احتضنه ملعب فرنسا في سان دوني، في منطقة تتميز بكثافتها السكانية وتنوعها الاجتماعي والثقافي.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا هذا الحضور القوي أمام الشباب؟ ولماذا الملاعب تحديداً؟ ولماذا في هذه اللحظة السياسية؟

قد تكون الإجابة بسيطة: الكنيسة تريد الوصول إلى الشباب، وإعادة بناء صلتها بجيل ابتعد بدرجات متفاوتة عن الممارسة الدينية. وهذا تفسير طبيعي ومشروع. لكن في السياسة، لا يكفي النظر إلى الهدف المعلن للحدث؛ فالتوقيت والسياق والانعكاسات المحتملة تظل عناصر جديرة بالقراءة.

فهل يمكن أن تساهم هذه الزيارة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة تنشيط المشاعر الكاثوليكية داخل المجتمع الفرنسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن هي القوى السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تستفيد من عودة هذه الرمزية إلى المجال العام؟

هنا تحديداً يصبح المشهد أكثر تعقيداً.

فالتيارات السياسية الفرنسية تخوض معركة حقيقية على الناخبين وعلى هوية المجتمع، واليمين والوسط وأقصى اليسار يتنافسون على صياغة مستقبل فرنسا. وفي هذا السياق، قد يكون لإعادة طرح الرمزية الدينية والمحافظة تأثير في جزء من المزاج العام، حتى وإن لم يكن ذلك نتيجة لتخطيط سياسي مباشر.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التساؤل حول ما إذا كانت زيارة البابا قد تخدم، في نهاية المطاف، إعادة تثبيت حضور القوى المحافظة والوسط، أو الحد من المساحة التي يسعى أقصى اليسار، وخصوصاً تيار جان لوك ميلانشون، إلى توسيعها.

ربما يكون ذلك مجرد قراءة سياسية للحدث، وربما تكون هناك بالفعل تداعيات تتجاوز ما هو معلن. لكن التاريخ الفرنسي والتونسي يقدمان لنا ما يكفي للتذكير بأن العلاقة بين الدين والسياسة لم تكن يوماً علاقة بسيطة أو مستقيمة.

ولعل المثال التونسي لسنة 1930 أكثر من دال في هذا السياق.

ففي تلك السنة احتضنت تونس المؤتمر الإفخارستي الدولي، في مناسبة أثارت جدلاً واسعاً في البلاد، واعتبرها الحبيب بورقيبة، في إطار معارضته للحدث، بمثابة حملة صليبية. ولم يكن الاعتراض محصوراً في تونس، بل امتد إلى فرنسا نفسها، حيث انتقدت المعارضة الشيوعية في باريس تنظيم المؤتمر، متسائلة عن مدى انسجام ذلك مع مبدأ العلمانية الذي تقوم عليه الجمهورية الفرنسية.

وفي خضم ذلك الجدل، نُسب إلى الرئيس الفرنسي آنذاك غاستون دومرغ ردّ أصبح شديد الدلالة على تلك المرحلة: «فرنسا علمانية داخل حدودها، لكنها كاثوليكية في مستعمراتها».

وبعيداً عن النقاش حول السياق التاريخي الدقيق للعبارة، فإنها تكشف مفارقة عميقة: قد تكون الدولة علمانية في مؤسساتها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدين يغيب عن حساباتها السياسية أو عن أدوات تأثيرها في المجتمع ومجالات نفوذها.

واليوم، وبعد ما يقارب قرناً من الزمن، تعود الأسئلة نفسها، وإن في سياق مختلف تماماً.

فهل يمكن فصل زيارة البابا إلى فرنسا عن المناخ السياسي الذي يحيط بها؟وهل يمكن اعتبار الحضور الجماهيري الكبير، وخصوصاً بين الشباب، مجرد نشاط ديني لا علاقة له بالتحولات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد؟

لا أحد يستطيع، من دون أدلة واضحة، أن يقول إن الزيارة صُممت لإنقاذ اليمين أو الوسط، أو أنها جاءت خصيصاً لسد الطريق أمام أقصى اليسار. لكن من حق المتابع أن يتساءل: من المستفيد سياسياً من عودة الدين بقوة إلى المجال العام في هذه اللحظة؟وهذا هو جوهر المسألة.

فالسياسة لا تتحرك فقط عبر الأحزاب والبرامج الانتخابية، وإنما أيضاً عبر الرموز والهوية والقيم والمشاعر الجماعية. وعندما يتقاطع حدث ديني واسع مع لحظة سياسية وانتخابية حساسة، فإن الفصل الكامل بين المجالين يصبح أمراً يحتاج إلى أكثر من مجرد إعلان رسمي.

قد تكون زيارة البابا دينية في مقصدها، وقد تكون سياسية في نتائجها من دون أن تكون سياسية في نوايا منظميها.

وهنا تكمن المفارقة.فالسياسة لا تحتاج دائماً إلى أن تدير الحدث الديني حتى تستفيد منه؛ يكفي أحياناً أن يأتي الحدث في التوقيت المناسب، وأن يجد المجتمع في لحظته السياسية ما يجعله قابلاً للتوظيف.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل زيارة البابا سياسية أم دينية؟ بل: هل يمكن أن يبقى حدث ديني بهذا الحجم، وبهذا التوقيت، وبهذا الحضور الجماهيري، خارج حسابات السياسة والانتخابات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى