أكرم الزريبي : هل تحتاج الدولة المدنية الحديثة إلى منصب المفتي؟

منصب المفتي امتداد لسلطة البورجوازيةالدينية…
كم فتوى أصدرها مفتو تونس لترسيخ الوعي الديني منذ الاستقلال؟
تاريخيا هذا المنصب استحدث في تونس مع قيام الدولة الحديثة سنة 1957، وهو في جوهره امتداد لمنصب ديني عرفته هذه البلاد منذ انتشار الإسلام فيها.
الاستاذ والمحامي اكرم الزريبي اعتبر بعد عقود من الاستقلال، يحق لنا أن نتساءل عن جدوى هذا المنصب ووظيفته في الدولة المدنية الحديثة؟؟
فكم فتوى اصدرها منذ 1957 إلى اليوم، المفتون التونسيون للإسهام في ترسيخ الوعي الديني السليم، بعيدًا عن المسائل الموسمية المتعلقة بالإعلان عن رؤية هلال رمضان والعيد، وضبط مقدار زكاة الفطر وتحديد نصاب الزكاة عند حلول الحول؟ وأي دور اضطلعوا به في تنمية التفكير الديني النقدي، وتجديد فهم النص القرآني، ومساعدة المسلمين على التمييز بين جوهر الدين والتأويلات البشرية التي تراكمت حوله؟
تلك أسئلة مشروعة تفتح الباب أمام سؤال أعمق هل يحتاج الإسلام، في جوهره، إلى منصب المفتي، أم أن الإنسان مدعو إلى إعمال العقل الذي وهبه الله إياه، وجعله به أهلًا للتفكير والتدبر والاجتهاد؟ أليس القرآن حافلًا بالآيات التي تحث الإنسان على التعقل والتفكر والتدبر، بدل التسليم المطلق بما يمليه عليه الآخرون؟
إن منصب المفتي، بوصفه مؤسسة رسمية في الدولة الحديثة، يطرح إشكالية تتجاوز وجوده الإداري إلى طبيعة السلطة التي يمثلها. فهو ليس منصبًا نصّ عليه القرآن، ولا يقتضي الإيمان بالإسلام وجود مؤسسة تحتكر تفسير النص الديني أو تمنح تأويلًا بشريًا بعينه صفة الإلزام الديني.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى هذا المنصب باعتباره امتدادًا لسلطة طبقة من البورجوازية الدينية التي احتكرت، تاريخيًا، تفسير الدين وتلقينه، ورسّخت لدى الناس تصورات تجعل فهمهم لعقيدتهم مرهونًا بما تقرره هذه الفئة وما تسمح به من تأويلات.
وتكمن المشكلة في أن هذا الاحتكار يطمس الفارق بين النص الإلهي، باعتباره نصًا مقدسًا، وبين الفهم البشري له، باعتباره اجتهادًا يظل خاضعًا للنقاش والمراجعة. فحين يُقدَّم التأويل البشري باعتباره التعبير الوحيد عن الحقيقة الدينية، يتحول الاجتهاد إلى سلطة، ويتراجع العقل أمام الوصاية، ويصبح المطلوب من المؤمن الامتثال لما يُملى عليه بدل ممارسة حقه في التفكير والتدبر.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المفتي قادرًا على إصدار الفتاوى، بل ما إذا كانت الدولة المدنية الحديثة تحتاج إلى مؤسسة دينية تحتل موقعًا رسميًا في تنظيم علاقة المواطن بدينه، في وقت يفترض فيه أن يكون العقل والاجتهاد وحرية الضمير ركائز أساسية في علاقة الإنسان بالمقدس.
ان الإيمان لا يستلزم تعطيل العقل، واحترام الدين لا يعني منح أي جهة بشرية حق احتكار فهمه أو التحدث باسمه دون سواها.
هاجر وأسماء



