التهدئة الحذرة: ماذا وراء عودة الدفء إلى العلاقات الجزائرية–الفرنسية؟

تونس – اونيفار نيوز –تكشف زيارة الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية، آن-ماري ديسكوت، إلى الجزائر بعد أشهر من الفتور الدبلوماسي، عن دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة قوامها تهدئة حذرة واستئناف تدريجي للحوار. فاللقاء بدا وكأنه لحظة إدراك مشتركة لدى باريس والجزائر بأن استمرار التوتر بات مكلفاً للطرفين.
الخطاب الرسمي الفرنسي حرص على تقديم الزيارة كـ “بداية لمسار تهدئة تدريجي” مع التشديد على ضرورة تحقيق نتائج ملموسة تخدم المصالح الفرنسية بشكل مباشر، خصوصاً في ملفات الأمن والهجرة. وهو ما يعكس مقاربة براغماتية تحاول باريس من خلالها ربط الانفراج السياسي باعتبارات عملية.
في المقابل، تبدو الجزائر مصممة على ألا يُختزل مسار تطبيع العلاقات في الجانب الأمني والهجرة فقط، بل أن يشمل قنوات سياسية ودبلوماسية أوسع تثبّت موقعها كشريك إقليمي رئيسي، وتعيد التوازن لعلاقة اختلّت بسبب الأزمات المتتالية.
من هذا المنظور، تبدو زيارة ديسكوت أكثر من مجرد “جس نبض”، بل تمهيداً بروتوكولياً وعملياً لزيارات أعلى مستوى، من بينها الزيارة المنتظرة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، وربما لاحقاً تهيئة الظروف للقاء رفيع بين قيادتي البلدين إذا نضجت الشروط السياسية لذلك.
أما الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال بعفو رئاسي، فقد أضفى بعداً رمزياً إضافياً على هذه التحركات؛ إذ قرأته باريس كإشارة حسن نية من الجزائر، ضمن مناخ يسعى الطرفان إلى جعله أقل توتراً وأكثر قابلية لفتح الملفات العالقة.
غير أنّ جوهر هذا “المسار التدريجي” يظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الكبرى دون العودة إلى التصعيد السريع: من قضايا الذاكرة والاستراتيجيات الإقليمية، إلى ملفات الهجرة والاقتصاد والأمن. فالإصرار الجزائري على توسيع قنوات الحوار وعدم حصرها في المقاربة الأمنية يعكس رغبة في إعادة صياغة قواعد العلاقة مع باريس على أساس شراكة متوازنة، بعيدة عن منطق الضغوط المتبادلة المتمثلة في التأشيرات والترحيل من جهة، والتصعيد الدبلوماسي من جهة أخرى.
وبهذا، يمكن اعتبار زيارة آن-ماري ديسكوت الخطوة الأولى في مسار أطول لاستعادة حدٍّ أدنى من الثقة بين الجزائر وفرنسا. وهو مسار لا يزال محكوماً بكثير من الحذر، لكنه يفتح نافذة لإعادة ترتيب العلاقة على أسس أوضح وأكثر استقراراً، إذا ما أحسن الطرفان توظيف هذا الظرف السياسي في خطوات عملية تتجاوز الرمزية نحو قرارات تعيد بناء الجسور التي هدمتها أشهر القطيعة والتجاذب



