أخبار مهمة

مؤرخة بريطانية تثير الجدل: «الأمة الفينيقية» خرافة …..

لوبوان تي ان: تثير المؤرخة البريطانية جوزفين كراول كوين جدلاً واسعاً بإعادة النظر في واحدة من أكثر المسلمات رسوخاً في تاريخ العالم القديم، وهي فكرة وجود «أمة فينيقية» أو «شعب فينيقي» موحد. ففي كتابها المثير للجدل، الصادر في ترجمته العربية بعنوان «الفينيقيون: اختراع أمة»، تقدم كوين قراءة نقدية للتصور السائد عن الفينيقيين، وتذهب إلى أن الصورة التي نعرفها اليوم عنهم بوصفهم أمة واحدة ذات هوية جماعية قد تكون، في جانب كبير منها، صناعة تاريخية لاحقة.

وترى كوين، أستاذة التاريخ القديم في كلية الدراسات الكلاسيكية بجامعة أوكسفورد، أن سكان المدن التي اصطلح على تسميتها لاحقاً «فينيقية» لم يكونوا شعباً موحداً أو جماعة تمتلك وعياً قومياً بذاتها. بل تذهب إلى حد التشكيك في أصل التسمية نفسها، معتبرة أن كلمة «فينيقي» كانت في الأساس تسمية يونانية وليست اسماً استخدمه هؤلاء السكان لتعريف أنفسهم..

ولا تخفي المؤلفة أن هدف كتابها ليس الدفاع عن الفينيقيين أو إنقاذ تاريخهم من الإهمال، بل تفكيك التصورات الحديثة التي تشكلت حولهم. ووفق قراءتها للمصادر القديمة المتاحة، لا توجد أدلة قوية تثبت أن من نطلق عليهم اليوم اسم «الفينيقيين» كانوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جماعة واحدة تتجاوز الانتماء إلى المدينة، وفي بعض الحالات إلى الروابط العائلية.

كوين تقول أن الشخص الوحيد المعروف حتى الآن الذي وصف نفسه صراحة بأنه «فينيقي» في العالم القديم هو الروائي اليوناني هيليودوروس الإيميسي، المنسوب إلى إيميسيا، أي حمص الحالية في سوريا، والذي عاش بين القرنين الثالث والرابع للميلاد. وهو ما يجعله، بحسب أطروحتها، خارج الإطار الزمني والجغرافي الذي يُحدد عادة للعالم الفينيقي.

وينطلق الكتاب من محاولة البحث في الهويات الفعلية التي كانت ذات معنى بالنسبة إلى سكان تلك المدن والمناطق في العصور القديمة، بعيداً عن التصنيفات القومية والإثنية الحديثة. كما يتتبع الكيفية التي استعادت بها جماعات وشعوب لاحقة الهوية الفينيقية وادعت الانتساب إليها، وهي العملية التي ترى المؤلفة أنها أسهمت في ترسيخ فكرة وجود «شعب فينيقي» بالمعنى الذي نعرفه اليوم.

واستحضرت الباحثة في نطاق التدليل على اطروحتها الفكرة الشهيرة لعالم الاجتماع إرنست غلنر، الذي اعتبر أن القومية لا تعني إيقاظ الأمم على وعيها بذاتها، بل إنها قد تعني في بعض الأحيان اختراع الأمم نفسها. وتطبق المؤلفة هذه الفكرة على الحالة الفينيقية، معتبرة أن الأيديولوجيات القومية الحديثة ساهمت في إعادة تشكيل الفينيقيين بوصفهم أمة قديمة ذات هوية موحدة، ثم عملت على تثبيت هذا التصور في الوعي التاريخي الحديث.

وتكمن أهمية أطروحة كوين في نقدها لما تسميه الافتراضات الإثنية الجاهزة في دراسة التاريخ القديم.

فإطلاق تسمية واحدة على جماعات متباينة قد يؤدي، وفق رأيها، إلى افتراض وجود قواسم مشتركة يصعب إثباتها، كما يمكن أن يخلق هويات لم تكن موجودة أصلاً، أو يحول هويات متغيرة ومتحركة إلى كيانات ثابتة وجامدة.

وبذلك لا يقتصر كتاب «الفينيقيون: اختراع أمة» على إعادة مناقشة تاريخ الفينيقيين فحسب، بل يطرح سؤالاً أعمق حول الطريقة التي يكتب بها التاريخ، وكيف تتحول التسميات والهويات التي تصنعها الشعوب اللاحقة والمؤرخون إلى حقائق تبدو بمرور الزمن وكأنها كانت قائمة منذ البداية….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى