أخبار مهمة

ميزانية تونس 2027: حلول ظرفية ومخاطر تضخمية في مواجهة تحديات التنمية

 تونس -أونيفار نيوز -حذّر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي من هشاشة التوازنات المالية التي بُني عليها مشروع قانون المالية لسنة 2027، واصفاً التدابير المقترحة بأنها مجرد «مسكنات نقدية» وحلول ظرفية لا تلامس جوهر التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد التونسي، وذلك رغم ما احتواه المشروع من حوافز جبائية وخطوط تمويل وتدابير موجهة لدعم عدد من القطاعات.

​وتنطلق هذه المخاوف من اتساع الفجوة المالية لمشروع الميزانية، حيث قُدّرت المداخيل الجملية للدولة بنحو 54.25 مليار دينار مقابل نفقات تبلغ 68.89 مليار دينار، مما يسفر عن عجز يناهز 14.64 مليار دينار، في ظل غياب فرضيات تفصيلية واضحة أو معطيات نهائية لتنفيذ ميزانية العام السابق.

وتتعمق حدة الإشكال مع سبل تغطية هذا العجز؛ إذ يعتمد المشروع بشكل مكثف على الاقتراض الداخلي بقيمة 19.8 مليار دينار، يشمل اللجوء للمرة الرابعة على التوالي إلى التمويل المباشر من البنك المركزي التونسي بنحو 9.8 مليار دينار دون فوائد على مدى 15 عاماً. وتطرح هذه الخطوة النقدية مخاطر تضخمية حقيقية قد تقوض القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تسببها في مزاحمة الدولة للقطاع الخاص على السيولة المتاحة في السوق المصرفية، مما يحد من قدرة الشركات على الاستثمار وتوليد الثروة.

​وعلى صعيد التشغيل والتنمية الجهوية، يرى الشكندالي أن رصد مخصصات محدودة—مثل 10 ملايين دينار للمناطق الأقل نمواً—لا يكفي لتحقيق تنمية مستدامة ما لم يترافق مع تطوير البنية التحتية وتحسين مناخ الأعمال؛ لافتاً إلى أن بلوغ عدد أعوان الوظيفة العمومية والمؤسسات الملحقة نحو 692.7 ألف عون يبرهن على استمرار الدولة في لعب دور المشغّل الرئيسي لعجز القطاع الخاص عن استيعاب الخريجين. وتنسحب الشكوك ذاتها على خطوط التمويل المستحدثة، لا سيما الموجهة للشركات الأهلية برصد 5 ملايين دينار كقروض بلا فوائد أو ضمانات (تضاف إلى اعتمادات سابقة تجاوزت 95 مليون دينار)، حيث تثير آلية إسنادها هواجس تعثر السداد وتآكل الأموال العامة لدى بنوك التمويل العمومية، في مقابل تثمينه إجراءات التخفيف من الخصم في المورد والتكفل بنسب من الأعباء الاجتماعية لباعثي المؤسسات الصغرى.

​أما في ما يتعلق بالدور الاجتماعي ومعالجة أزمات المؤسسات العمومية، فقد أوضح الشكندالي أن تحمّل الدولة لديون مؤسسات كبرى (مثل النقل، والسكك الحديدية، والسكر، وعجين الحلفاء، وديوان الأراضي الدولية) تجاه صناديق التقاعد أو شطب ديونها الجبائية، لا يعدو كونه ترحيلاً للأعباء إلى الخزينة العامة والدين العمومي دون معالجة لأسباب الخلل التسييري وتراجع المردودية. ويتقاطع ذلك مع التساؤلات حول العدالة الجبائية؛ إذ قوبلت الإعفاءات الممنوحة لقطاعات كالأثاث والجلود ومستلزمات التصدير بزيادات استهلاكية شملت معلوم السفر إلى الخارج (80 ديناراً) ورسوم ألعاب القمار والمسابقات بنسبة 60%، مما يستوجب مراعاة عدم إثقال كاهل الطبقات المتوسطة والضعيفة.

​ورغم تسجيل بعض الإيجابيات في مجالي الأمن الغذائي والطاقي—كتخصيص 40 مليون دينار لإعادة تكوين القطيع، و100 مليون دينار لقروض منظومة الزيتون، وتقديم إعفاءات ضريبية لبطاريات التخزين واللاقطات الشمسية—فإن غياب استثمارات كبرى في الأمن المائي يظل ثغرة بارزة أمام تداعيات التغير المناخي.

لتخلص القراءةإلى أن معادلة ميزانية 2027 ستظل مرهونة بقدرة الدولة على مغادرة دائرة الحلول الترقيعية والمسكنات التمويلية، والتوجه نحو إصلاحات هيكلية جذرية تدعم الإنتاج الفعلي، وتضمن استدامة المالية العمومية والخدمات الأساسية دون رهن الاقتصاد بالتضخم والديون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى