العنف في فرنسا : تاريخ حافل … لا يرتبط بالهوية و لا بالجنسية

تونس اونيفارنيوز خلف الصورة التي تقدم بها فرنسا نفسها بوصفها مهدا للحريات وحقوق الإنسان، يمتد تاريخ طويل من الانتفاضات الشعبية والمجازر والصراعات الدموية، التي لم تقتصر على الحروب الخارجية والاستعمار، بل كانت حاضرة بقوة داخل المجتمع الفرنسي نفسه.
لذلك، فإن تحميل الأجانب والمهاجرين وحدهم مسؤولية العنف الذي تشهده فرنسا اليوم ينطوي على تبسيط مخلّ بالتاريخ والواقع.
فكيف يمكن تصوير العنف باعتباره سلوكًا وافدًا على مجتمع مسالم بطبيعته، بينما تكشف ذاكرة فرنسا عن قرون من الصراعات الداخلية الدامية؟
تعود إحدى أقدم الشواهد إلى عام 1358، حين اندلعت ثورة الجاكري، وهي انتفاضة فلاحية في شمال فرنسا ضد الأعباء الإقطاعية وسلطة النبلاء، في سياق أزمة اجتماعية وعسكرية أعقبت الهزائم الفرنسية خلال حرب المئة عام. تحولت الانتفاضة إلى مواجهات دامية، قبل أن يقمعها النبلاء بوحشية، وقتلوا أعدادًا كبيرة من المشاركين فيها. لم يكن هؤلاء الفلاحون أجانب وافدين، بل أبناء المجتمع الفرنسي نفسه، وكانت أسباب انفجارهم مرتبطة بالظلم الاجتماعي والصراع على السلطة والثروة.
وبعد أكثر من قرنين، شهدت فرنسا واحدة من أكثر محطاتها دموية خلال الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت. ففي أوت 1572، اندلعت مجازر سان بارتيليمي في باريس، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى، مخلفة آلاف القتلى. وكانت تلك الأحداث تجسيدًا مأساويًا لكيفية تحول الانقسامات الدينية والصراعات السياسية إلى عمليات قتل جماعي داخل المجتمع الواحد.
ثم جاءت الثورة الفرنسية عام 1789، حاملة شعارات الحرية والمساواة والأخوة، لتفتح فصلًا جديدًا من تاريخ أوروبا السياسي. غير أن الثورة التي أسهمت في تفكيك النظام الملكي القديم لم تخلُ من العنف الدموي. ففي جانفي 1793، أُعدم الملك لويس السادس عشر بالمقصلة، ثم أُعدمت زوجته ماري أنطوانيت في أكتوبر من العام نفسه ..!!
وخلال عهد الإرهاب بين عامي 1793 و1794، نُفذت آلاف الإعدامات، وطالت حملات القمع خصوم الثورة والمتهمين بمعارضتها.
وفي إقليم فونديه، غرب فرنسا، واجهت القوات الجمهورية الانتفاضة المضادة للثورة بحملات عسكرية واسعة، ارتُكبت خلالها مجازر بحق السكان.
لم تكن المقصلة مجرد أداة للإعدام، بل أصبحت رمزًا للتناقض بين القيم المعلنة والممارسات السياسية عندما يتحول الصراع على السلطة إلى مبرر للقسوة. والمفارقة أن فرنسا التي تحتفي بإرث ثورتها بوصفه أحد منابع الحرية الحديثة، لا تستطيع قراءة ذلك الإرث قراءة مكتملة من دون الاعتراف بوجهه الدموي أيضًا.
كومونة باريس كذلك إحدى أهم الشواهد على العنف داخل فرنسا_ الكومونة انتفاضة ثورية أقامت سلطة مستقلة عن الحكومة الفرنسية، في أعقاب الهزيمة أمام بروسيا وسقوط الإمبراطورية الثانية_ انتهت بما يعرف بالاسبوع الدموي.
لم تكن باريس في تلك الأيام ساحة مواجهة مع قوة أجنبية، بل مسرحًا لصراع داخلي بين الفرنسيين أنفسهم، دفع ثمنه آلاف الأشخاص. وقد كشفت هذه الأحداث عن قدرة الدولة على استخدام القوة المفرطة عندما ترى في التمرد الاجتماعي والسياسي تهديدًا لسلطتها، وعن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه المجتمعات عندما تُغلق أبواب التسوية السياسية.
ولم ينته هذا التاريخ عند القرن التاسع عشر. فقد شهدت فرنسا خلال القرن العشرين محطات أخرى من العنف، سواء في سياق الاحتلال النازي والحرب العالمية الثانية، وما رافقهما من قمع ومقاومة وعمليات انتقام بعد التحرير، أو في سياق المواجهات الاجتماعية والسياسية التي أعادت التوتر إلى الشوارع الفرنسية.
ومن أكثر هذه الوقائع دلالة، قمع مظاهرة الجزائريين في باريس يوم 17 أكتوبر 1961، خلال حرب استقلال الجزائر. فقد واجهت الشرطة الفرنسية متظاهرين خرجوا احتجاجًا على الإجراءات التمييزية المفروضة عليهم، وشمل القمع اعتقالات جماعية واعتداءات وعمليات قتل، وأُلقي بعض المتظاهرين في نهر السين.
ولا تزال الحصيلة الدقيقة للضحايا موضع نقاش تاريخي، لكن الحادثة أصبحت إحدى أبرز الصفحات السوداء في تاريخ الشرطة الفرنسية خلال الحقبة الاستعمارية كما وصفها الكاتب والناشط السياسي _عز الدين البوغانمي_.
اكثر من ذلك عام 2018، اندلعت حركة «السترات الصفراء» احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب على الوقود، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل العدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي. وشهدت الاحتجاجات مواجهات عنيفة وعمليات تخريب، وأثارت طريقة تعامل السلطات الأمنية معها انتقادات واسعة بشأن استخدام القوة.
ثم عادت الاضطرابات بقوة في جوان 2023، عقب مقتل الشاب نائل برصاص شرطي في نانتير، لتشهد مدن فرنسية عديدة أعمال شغب وإحراقًا للممتلكات ومواجهات مع قوات الأمن.
ان متابعة هذه المحطات يكشف أن العنف ظل حاضرًا في تاريخ فرنسا بأشكال متعددة _استنادا لنفس الكاتب _وأن العلاقة بين الدولة والشارع لم تكن دائمًا مستقرة أو خالية من الصدام.
ومن هنا، فإن تصوير العنف المعاصر باعتباره نتيجة مباشرة للهجرة أو للوجود الأجنبي يتجاهل سجلًا تاريخيًا طويلًا من الصراعات الداخلية الفرنسية. فالعنف ليس حكرًا على جنسية أو ثقافة، ولا يمكن تفسيره بالهوية وحدها.




