لا تُقاس عراقة الأمم بحدودها السياسية المتأخرة، بل بالبصمات الأولى التي تركتها مجتمعاتها على مسرح التاريخ البشري. وفي هذا السياق، تحتل الحضارة القبصية التونسية موقع الصدارة باعتبارها أول ثورة اجتماعية وثقافية شهدها الحوض المتوسطي وشمال إفريقيا عقب العصر الحجري القديم.
إن هذه الحضارة، التي بزغت شمسها من الربوع التونسية، لم تكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الإنسانية، بل مثلت الوعاء الأنثروبولوجي الأول الذي صاغ الهوية المادية والمجتمعية للمنطقة. وعبرها تحول الإنسان من مستهلك للطبيعة إلى صانع لأدواتها ومستقر في مجالها البيئي. ومع حلول الذكرى العشرين بعد المائة لاكتشاف موقعها النموذجي الأول في قفصة التونسية، أصبحت الحاجة ماسة إلى صياغة رؤية استراتيجية وطنية تتجاوز مجرد الاحتفاء العلمي، لتصُب في خانة الدبلوماسية الثقافية الحازمة، بهدف تسجيل هذا الموروث الإنساني العظيم على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) باسم الجمهورية التونسية فقط، باعتبارها المهد الأصلي وموطن النشأة الحصري.
وللإشارة فإنه منذ أن كشف البحث الأركيولوجي سنة 1905 عن موقع “المقطع” بجهة قفصة، أدرك علماء الآثار أنهم أمام نموذج عظيم حضاري قائم بذاته يقيم الدليل على عراقة هذا الوطن التونسي. فقد ابتكر القبصيون صناعات حجرية وعظمية دقيقة، وتفننوا في النقش على قواقع بيض النعام، كما ابتكروا أنماطا متميزة في السكن والطقوس الجنائزية عبر تشييد “الرماديات” التي ضمت مخلفات حياتهم اليومية.
إن الإقليم التونسي الصرف، الممتد بين واحات قفصة وشط الجريد وجبال الماجورة، احتضن تشكل وتطور الحضارة القبصية في صيغتها الشرقية النموذجية. ومن هذه النواة الصلبة، انطلقت التأثيرات الثقافية والأنماط المعيشية لتتوسع باتجاه الأقاليم المجاورة، مما يجعل القيمة الاستثنائية العالمية المقترحة لملف اليونسكو تنبع أساسا من كينونة قفصة التونسية كمعمل بدائي صيغت فيه مفاهيم الفن والطقوس والتكيف البيئي قبل آلاف السنين.
ويأتي انعقاد المؤتمر العلمي الدولي بمدينة قفصة التونسية وذلك بمناسبة مرور 120 سنة على اكتشاف هذه الحضارة ليشكل محطة توثيقية وفصلية في تاريخ البحث الأركيولوجي. وتكمن أهمية هذا المؤتمر في عدة أبعاد تتكامل بين التحيين العلمي وإعادة قراءة المواقع الأثرية في ضوء تقنيات التأريخ الحديثة، لإثبات أسبقية المركز القفصي التونسي وتواتر الاستيطان فيه. كما يوفر المؤتمر فرصة حقيقية للربط بين التراث والتنمية من خلال استغلال هذا الموروث في إطار السياحة الثقافية النوعية، وتحويل الجنوب الغربي التونسي إلى مقصد للباحثين والمهتمين بتاريخ ما قبل التاريخ، فضلا عن كون الأوراق العلمية المقدمة تشكل القاعدة الصلبة والوثائقية الصارمة لإعداد الملف المفهومي الذي سيُقدم لليونسكو.
وفي هذا الإطار، تُطرح اليوم في أدبيات التراث الدولي مسألة تقديم ملفات مشتركة بين الدول للتعريف بالحضارات العابرة للحدود. وإذا كان هذا المنطق مقبولا في التراث الشفهي أو الفنون الشعبية الحديثة، فإنه يُعد مغالطة منهجية وأركيولوجية عند تطبيقه على مهاد الحضارات القديمة.
إن الحضارة القبصية تشكلت وتحددت عناصرها البنيوية في قفصة التونسية، وما ظهر من آثارها في الشرق الجزائري لم يكن سوى مناطق تمدد جغرافي ونتاج للحركة الرعوية والموسمية للمجموعات القبصية عبر الأودية والمسالك الطبيعية. ولبيان عدم صواب المنطق الذي يدعو إلى إشراك مناطق التمدد في ملكية أصل الحضارات، يكفي الاستشهاد بالنموذج الروماني، فلو جاز لأماكن التمدد الإقليمي أن تشترك في ملكية أصل الحضارات لمجرد وصول آثارها إليها، لجاز للتونسيين اليوم المطالبة بمشاركة إيطاليا في تسجيل الحضارة الرومانية، نظرا لما تزخر به تونس من معالم رومانية عريقة تفوق في جودتها أحيانا ما هو موجود في روما نفسها، ومع ذلك لم يذكر أحد أن تونس شريك في مهد الحضارة الرومانية لأن روما هي المركز وإيطاليا هي موطن النشأة. وبالمثل، فإن وجود الامتداد القبصي خارج الحدود التونسية لا يمنح تلك المناطق صفة المركز، بل يرسخ موقع قفصة التونسية كعاصمة وأصل.
وتستدعي القراءة التوثيقية لخريطة التمدد القبصي الوقوف عند منطقة بئر العاتر، وهي إحدى محطات هذا الامتداد. إن القراءة التاريخية والوثائقية تثبت أن بئر العاتر والأراضي المتاخمة لها والتابعة اليوم للأراضي الجزائرية كانت جزءا لا يتجزأ من المجال الترابي التونسي، قبل أن تعبث بسياجها الحدود الاستعمارية الفرنسية لتضمها للإدارة الجزائرية إبان حقبة الاحتلال. ولم تكن تونس المستقلة لتفرط في حقوقها الوطنية، إذ خاض الجيش التونسي الفتي، مدعوما بالمقاومين والمتطوعين، معارك شريفة لاسترداد أراضيه السيادية وشريط الحدود الصحراوي، وتجلي ذلك بوضوح في معركة “العلامة 233” سنة 1961، حيث سقط الشهداء التونسيون الأبرار وارتوت بئر العاتر ومحيطها بدمائهم الزكية دفاعا عن تلك الأرض ضد قوات المستعمر الفرنسي المرابطة في الجزائر آنذاك. وعلى الرغم من النجاح الميداني وتأكيد السيادة، فإن القوات الفرنسية، في سياق ترتيبات انسحابها وتوازناتها الجيوسياسية، أعادت فرض سيطرتها بالقوة وضم تلك المناطق للقطر الجزائري الحديث.
إن هذه الحقائق التاريخية تقدم برهانا إضافيا على أن التداخل الجغرافي في منطقة بئر العاتر هو امتداد طبيعي ورابط تاريخي واقتطاع من الجسم التونسي. وهو ما يؤكد على أن هذا المجال كان دوما جزءا من الفضاء الحيوي والتاريخي لمركز الحضارة في قفصة التونسية.
إن ملف تسجيل الحضارة القبصية في قائمة التراث العالمي لليونسكو ليس مجرد إجراء إداري، بل هو قضية سيادة ثقافية وأمانة تاريخية موكولة إلى المؤسسات التونسية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الثقافية والمعهد الوطني للتراث. كما أن الحفاظ على مسميات الحضارة ونسبتها الحصرية لموطنها الأصلي قفصة التونسية هو حمايةٌ للذاكرة الوطنية من التذويب والمساومة، فكما يفخر العالم بمهاد الحضارات الفرعونية في مصر والأكدية في العراق، يحق لتونس أن تثبت للعالم أن قفصة كانت وما تزال مهدا لإحدى أعظم الحضارات الحجرية في تاريخ الإنسانية.
ماجد البرهومي كاتب سياسي




