الدكتور محمد الحداد : المتطرفون الذين احتلوا العبدلية وكليات الآداب لم يندثروا بل تمددوا…

جزءًا كبيرًا من المجتمع ضحية القنوات الدينية الخليجية والدعاية الإخوانية….
تونس اونيفارنيوز يصرّون على ربط تعدّد الزوجات ببورقيبة، ويجهلون أو يتجاهلون أن الطاهر الحداد، الابن البار لمدينة الحامّة المناضلة، ذاك المصلح الذي اضطهده شيوخ جامع الزيتونة والبَلديّة، كان قد دعا إلى منع التعدد قبل بورقيبة بربع قرن، وكتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، الصادر سنة 1930، شاهد على ذلك استنادا لما قاله الدكتور محمد الحداد.
بل إن الحداد ليس الوحيد الذي تبنّى هذه الدعوة، فقد دافع عنها مصلحون مرموقون، على رأسهم الطهطاوي ومحمد عبده وعلال الفاسي، فضلًا عن مسلمات نسويات مثل نظيرة زين الدين.
في هذا الإطار اكد الدكتور محمد حداد انه قام بنشر كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” ضمن سلسلة “تراث النهضة” بمكتبة الإسكندرية، لمزيد التعريف به في المشرق، حيث بقي ذكره خافتًا رغم أهميته، ووُزّع منه أكثر من 70 ألف نسخة هناك في طبعتين رسمية ومصورة. ثم نشره في طبعة شعبية في تونس بعد الثورة، كي يدرك الشباب أن قضية المرأة كانت مطروحة قبل بورقيبة. كما نشر سنة 2006 كتابًا عنوانه “البركان الهائل”، (العبارة للطاهر الحداد)، تضمّن دراسات عن قضية المرأة في تونس منذ القرن التاسع عشر.
لكن المشكل أن جزءًا كبيرًا من المجتمع لا يقرأ، لذلك يمكن التلاعب به بسهولة، وهو ضحية القنوات الدينية الخليجية والدعاية الإخوانية الكثيفة في المساجد وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وقد بلغنا حدًّا أصبح فيه هؤلاء الجهلة يرمون بالجهل صاحب الدراسات والمؤلفات، وهذا أمر متوقع غير مفاجئ.
ما هو ثابت ان المتطرفين الذين رأيناهم بعد الثورة يعقدون المؤتمرات، ويقيمون الخيمات الدعوية، ويحتلون العبدلية وكلية الآداب بمنوبة وكلية الآداب بالقيروان، لا يمكن أن يكونوا قد ذابوا واندثروا، بل إنهم عزّزوا صفوفهم، وتحولوا من الآلاف إلى عشرات الآلاف منذ الثورة إلى اليوم، وأصبحوا جزءًا من الواقع التونسي.
وقد رأينا الشاهد على ذلك هذه الصائفة. فلئن كانت الحملات ضد مجلة الأحوال الشخصية ظاهرة متواصلة منذ أن طالبت حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليًا)، بالاستفتاء حولها وإعادة نظام تعدد الزوجات في صيف 1985، فإنها جاءت هذه السنة أكثر شراسة من كل ما سبق، ربما لأنها سنة الذكرى السبعين لصدور المجلة.
مهما يكن من أمر، فإن انهيار دور المدرسة، وغياب التنوير في المجتمع، والخلط بين القضايا السياسية التي يمكن الاختلاف فيها والقضايا المبدئية التي يرتكز عليها الاجتماع السياسي، كلّها وقائع لم يعد مجديًا التشكيك فيها ولا في نتائجها. والثقافة ليست لهوًا وترويحًا عن النفس، بل هي إحدى مرتكزات المجتمع، وثقافتنا دون تنوير، لذلك هي بلا نتيجة.



