أخبار مهمة

الكهرباء في تونس… أزمة صنعتها سنوات من تعطّل القرار….

تونس اونيفارنيوز في تشريحه لأزمة الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي كشف النائب عماد اولاد جبريل ان اقصى حمل للشبكة الوطنية للكهرباء بلغ 4800 ميغاواط سنة 2025غير أن هذا الرقم يحتاج إلى توضيح مهم، فهو لا يمثل حجم الإنتاج ولا حجم الطلب الحقيقي على الكهرباء وبالتالي كل طلب إضافي يتم التعامل معه عبر نظام فصل الأحمال، الذي يقضي بقطع التيار الكهربائي بالتناوب عن بعض المناطق للمحافظة على استقرار الشبكة.

وبذلك، فإن الطلب الحقيقي على الكهرباء كان أكبر من قدرة الشبكة على التزويد، وهنا تبدأ جذور الأزمة.

فحسب الدراسات التي أعدت آنذاك، كانت تونس تحتاج إلى إضافة نحو 200 ميغاواط من قدرات الإنتاج سنويًا لمواكبة الارتفاع الطبيعي في الطلب. ولهذا اعتمدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) استراتيجية تقوم على إنجاز محطة إنتاج جديدة كل سنتين تقريبًا بقدرة تناهز 400 ميغاواط.

وفي هذا الإطار دخلت محطة غنوش الخدمة سنة 2010 بطاقة 400 ميغاواط، وكان من المفترض أن تلتحق بها محطة سوسة “ج” سنة 2012، إلا أنها تعطلت بسبب مشاكل اجتماعية ولم تدخل الخدمة إلا سنة 2014. ثم دخلت محطة سوسة “د” سنة 2015 بطاقة 400 ميغاواط، تلتها محطة المرناقية سنة 2017 بطاقة 600 ميغاواط، ثم محطة رادس “ج” سنة 2019 بطاقة 470 ميغاواط، وكانت آخر محطة إنتاج كبرى تدخل الخدمة.

ومنذ سنة 2019 لم يتم إنجاز أي محطة إنتاج كبرى جديدة، بل على العكس خرجت بعض المحطات القديمة من الخدمة بعد انتهاء عمرها الفني، مثل محطة سوسة “أ” ومحطة ڨرمدة، وهو ما جعل قدرة الإنتاج المحلية تتراجع مقارنة بما كانت عليه سنة 2019.

في المقابل، يتم اليوم إنتاج نحو 98 بالمائة من الكهرباء في تونس باستعمال الغاز الطبيعي، بينما يأتي حوالي 60 بالمائة من هذا الغاز من الجزائر.

وتتحصل تونس على الغاز الجزائري عبر ثلاث صيغ. الأولى تتمثل في الكميات التي تتحصل عليها المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية مقابل إتاوة مرور أنبوب الغاز، ثم تبيعها للستاغ بالدينار. أما الثانية فتتمثل في الكميات التي تشتريها الستاغ من سوناطراك بعقود طويلة الأمد وبأسعار تفضيلية بالدولار. في حين تقوم الصيغة الثالثة على شراء كميات بصفة استعجالية عند ارتفاع الطلب، وهي الأعلى كلفة، ويتم دفع ثمنها بالدولار خلال آجال قصيرة.

ومنذ سنة 2019 أصبحت تونس تعتمد بشكل متزايد على هذه الصيغة الثالثة، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لترفع الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري. وبحسب ما تم تداوله، تقلصت الكميات الاستعجالية المتاحة لتونس مع مواصلة تنفيذ العقود طويلة الأمد.

وأمام هذا الوضع، أصبحت تونس تعتمد بصورة أكبر على استيراد الكهرباء كلما توفر فائض لدى الجزائر، لتتحول الأزمة إلى أزمة مزدوجة: غياب الاستثمار في محطات إنتاج جديدة، ونقص الغاز اللازم لتشغيل المحطات الموجودة.

وقد أدى ذلك إلى بقاء بعض المحطات خارج الخدمة بسبب نقص الوقود، ما اضطر الدولة إلى استيراد الكهرباء بالعملة الصعبة. كما تم خلال الأيام الماضية تشغيل محطة طينة بصفاقس باستعمال الديزل، رغم أن كلفته تفوق كلفة الغاز الطبيعي بعدة مرات.

وفي المقابل، يوجد مشروع لإنتاج الغاز في الصحراء التونسية جاهز منذ سنتين، وقد تم حفر الآبار، إلا أنه ما يزال معطلًا بسبب التعقيدات الإدارية والبيروقراطية وغياب المسؤولين، إذ بقيت الإدارة العامة للمحروقات دون مدير عام أصيل منذ سنوات.

وتبلغ طاقة هذا المشروع نحو 700 ألف متر مكعب يوميًا، مع إمكانية بلوغ مليون متر مكعب يوميًا، وذلك في وقت تعاني فيه محطات إنتاج الكهرباء من نقص حاد في الغاز.

وإذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، دون إنجاز محطات إنتاج جديدة، ودون تسريع مشاريع الغاز، ودون إصلاح حقيقي لقطاع الطاقة، فإن الصعوبات مرشحة للتفاقم خلال السنوات القادمة، وقد يتحول انقطاع الكهرباء من ساعات إلى أيام.

فالحرارة قد ترفع الاستهلاك، لكنها لا تصنع الأزمة. فالأزمات لا تولد في الصيف، بل تولد عندما يتوقف الاستثمار، وتتراكم البيروقراطية، ويغيب القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى