أخبار مهمة

ترانسماد: الجزائر تتحرك بشراسة لتعطيل مراجعة رسوم العبور …

 

الهجمة الإعلامية التضليلية سبقت المفاوضات الرسمية مع الجزائر …..

 

مشروع “جالسي” (GALSI) مجرد فقاعة جزائرية….فلسنا مغفلين…..

 

الحنفية في الجزائر، لكن تونس هي من يملك مفتاح الشبكة….

 

 

 

تونس اونيفارنيوز سيبقى صيف 2026 محفوراً في ذاكرة الشعب التونسي كصيف شهد موجة حر لا تطاق، زادتها قساوةً سياسةُ قطع الكهرباء الدوري والمستمر التي تعتمدها الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

و ما يزيد مراراة الوضع, الوعي ان هذه الظاهرة المناخية ليست عابرة بل قابلة للامتداد و التفاقم خلال السنوات القادمة.

وفي ظل بيوتنا المحرومة من التكييف، و مصانعنا المتوقفة، ومعانات أصحاب الفنادق والمطاعم الذين يشهدون دمار موسمهم السياحي بسبب هذه الانقطاعات، يتصاعد الغضب وتكبر المخاوف.

ويبقى هناك سؤال مشروع يتردد على كل لسان: كيف يمكن لتونس أن تكون طريقاً سياراً لثروة طاقية هائلة تغذي أوروبا، في حين يغرق شعبها في الظلام؟

 

المفاوضات الرسمية مع الجزائر لم تبدأ بعد. ورغم ذلك، انطلقت الهجمة الإعلامية مسبقاً. إننا نتعرض لحملة تضليل استباقية ممنهجة.

والهدف؟ قطع أجنحتنا وتكبيل أيدينا حتى قبل أن يجلس مفاوضونا إلى طاولة الحوار.

هناك محاولة لزرع شعور بالعجز الهيكلي في نفوس التونسيين، و إقناعنا بأننا محكومون بالبقاء تحت “حقنة الإنعاش”، تابعين لرحمة جارنا، ومجبرين على القبول برسوم عبور هزيلة لا تتجاوز 5.25% على أنبوب الغاز “ترانسميد” .

 

ولترهيبنا مسبقاً، يخرجون من الأدراج مجدداً وهم مشروع “جالسي” (GALSI)، ذلك الأنبوب البحري المباشر المزعوم بين الجزائر وإيطاليا، وكأنهم يرسلون إلينا تحذيراً واضحاً: “لا تطلبوا شيئاً، وإلا سنلتف عليكم و نترككم في الظلام”.

لكن لن نكون مغفلين، فهذا المشروع ليس سوى فقاعة فارغة تلوح بها الاوساط الجزائرية بسوء نية ومغالطة كبرى.

فالمهندسون يعلمون جيداً أن أنبوب “جالسي” يجب أن يعبر الصدع التكتوني الأورو-إفريقي على عمق سحيق يصل إلى قرابة 2885 متر تحت سطح البحر. وهذا انتحار تقني ومالي؛ إذ يكفي حدوث أدنى زلزال بحري لتتحطم الأنابيب بالكامل.

 

هذا دون نسيان عُقدة “نورد ستريم” (Nord Stream)، حيث إن أنبوباً معزولاً في قاع البحر يمثل الهدف المثالي لعمليات التخريب غير المرئية في ظل الحروب الهجينة الحديثة.

وفي المقابل، فإن المسار البري التونسي لأنبوب “ترانسميد” آمن، ومراقب، ومحمي من طرف جيشنا الوطني. ولن تخاطر الجزائر أبداً بالانتحار المالي عبر التضحية بقرابة نصف إيرادات ميزانيتها في الأعماق البحرية، في وقت تحتاج فيه حتماً إلى اليابسة التونسية لتصريف غازها.

الورقة الرابحة المخفية: أنبوب “ترانسميد” هو طوق النجاة للنظام الجزائري:

خلف سلوكيات التعنت والتكابر التي تظهرها الاوساط الجزائرية، تكمن نقطة ضعف مرعبة للـسلطة الحاكمة هناك. فهذا الأنبوب ينقل قرابة نصف الصادرات الغازية الإجمالية للجزائر، وبدون 10 الى 12 مليار الدولارات من العملة الصعبة التي تضخها إيطاليا سنوياً عبر الترانسميد، سيكون نظام الجزائر عاجزاً عن تمويل وارداته الضخمة وشراء السلم الاجتماعي أمام شعب جزائري منهك ومستاء، محروم من العديد من حقوقه، وشاهد على النهب الواضح للثروة الوطنية.

هذه الأموال الطائلة تُوجّه بالأساس للحفاظ على هيمنة جهاز عسكري قوي، لا يتردد في تغذية أو خلق صراعات إقليمية لتبرير سيطرته المطلقة على موارد البلاد.

إن السلطة الجزائرية تدرك تماماً أنها تقامر باستقرارها السياسي عبر أمن الـ 400 كيلومتر من الأنابيب التي تعبر ترابنا الوطني.

وإذا كانوا يشنون هذه الحملة الدعائية الشرسة قبل بدء المفاوضات، فذلك تحديداً لأنهم يريدون إخافتنا لإخفاء تبعيتهم الحيوية لنا.

المفارقة الكبرى: الخطاب المزدوج للجزائر أمام واقعية روما:

هنا تظهر اللعبة المزدوجة بوضوح؛ فالسلطات الجزائرية لا تكف عن ترديد كلمة “تضامن”، وتتذرع بالخطابات الأخوية حول تمسكها المطلق باستقرار تونس وأمنها، لكن في الكواليس، تتحرك أجهزتهم بكل شراسة لتعطيل أي مراجعة لرسوم العبور الخاصة بنا.

والمفارقة هنا تكمن في أنه بينما تنغلق الجزائر في تعنت هجومي، تأتي المؤشرات الأولى للمرونة والواقعية من الجانب الإيطالي! إذ تبدي روما، الواعية بحقائق الميدان، مؤشرات انفتاح لمناقشة تعريفة أكثر عدلاً. فالإيطاليون يفضلون دفع الثمن العادل لممر بري تونسي مستقر وآمن على المغامرة المكلفة والانتحارية جيولوجياً بمسار بحري غامض.

وفي الوقت الذي يبدي فيه الحريف الأوروبي استعداداً للاستماع إلى حججنا المناخية والاقتصادية، يحاول جارنا وشقيقنا فرض تعتيم مالي وصمت مطبق علينا حتى قبل فتح ملف المفاوضات.

لقد حان الوقت لمطالبة الجزائر بمطابقة أفعالها مع خطابات الأخوة وحقوق الشعوب ووحدة المصير.

وقبل أن تفتح الجولة الأولى من المفاوضات الرسمية، يجب على تونس أن تعلن خارطة طريقها بكل حزم ووضوح.

إننا نملك الحق القانوني، المشروع والسيادي في استخدام النوافذ التعاقدية القادمة لإعادة تقييم حقوق العبور: بالمرور تدريجياً إلى 8% في عام 2027 لتعويض الأضرار المناخية وتكاليف صيانة بنيتنا التحتية، ثم الوصول إلى 10% ابتداءً من عام 2029.

هذا ليس استفزازاً، بل هو وطنية اقتصادية. إنه رغبة في جعل الترانسميد أداة حقيقية للتنمية المشتركة والازدهار والأمن المتبادل، وليس وسيلة للتركيع و الهيمنة والسيطرة.

لقد حان الوقت لتترجم خطابات التضامن إلى التزامات ملموسة وجدية. لقد منحتنا الجغرافيا ورقة رابحة، وعلى صُنّاع القرار لدينا دخول المفاوضات القادمة برؤوس مرفوعة، مدفوعين بغضب وكرامة شعب بأكمله.

قد تكون الحنفية في الجزائر، لكن تونس هي من يملك مفتاح الشبكة.

الياس القصري سفير سابق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى