خارطة العطش تتوسع ..هل تحل المياه العميقة المعضلة ؟

تونس -اونيفار نيوز -تشهد تونس خلال الفترة الحالية مرحلة غير مسبوقة من الجفاف والطوارئ المائية، تمثلت في اتساع رقعة “خارطة العطش” لتشمل ولايات ومناطق لم تكن تعاني سابقاً من هذا الإشكال بشكل هيكلي؛ حيث أظهرت التبليغات القياسية عن انقطاعات مياه الشرب—والتي تجاوزت 608 تبليغات في شهر واحد فقط—أن الأزمة تتفاقم على نحو أفقي وعمودي، مسجلة اضطرابات حادة في جهات حيوية مثل نابل، بن عروس، سوسة، المنستير، المهدية، صفاقس، ومدنين.
أمام هذا الوضع الحرج، يُطرح التساؤل حول مدى إمكانية الاعتماد على المياه الجوفية العميقة المشتركة كحل ناجع. وفي هذا الإطار، يؤكد خبير التنمية وإدارة الموارد، حسين الرحيلي، أن استغلال مائدة “القاري الوسيط”—وهي المائدة المائية الأعمق والممتدة تحت الصحراء الكبرى على مساحة تتجاوز مليون كيلومتر مربع بين الجزائر (70%)، ليبيا (20%)، وتونس (10%)—لا يمكن أن يُمثّل حلاً ظرفياً أو سريعاً للأزمة الحالية خلال أشهر معدودة. ورغم أن تونس تستخرج بالفعل جزءاً من مياه الشرب بولاية قابس من هذه المائدة، إلى جانب توقيع اتفاقيات ثلاثية لإنشاء آلية تشاور وتنسيق دائم لإدارتها، إلا أن الاستغلال الموسع لهذه الموارد التي تقع على عمق يتردد بين 2800 و3000 متر يتطلب استثمارات ضخمة، وتقنيات حفر مكلفة، وطاقة عالية للضخ، مما يجعلها خياراً وبديلاً استراتيجياً على المدى المتوسط والبعيد فقط.
وفي مقابل البحث عن مصادر جديدة، تشير التحليلات إلى أن معضلة تونس الحقيقية لا تكمن في “ندرة” الموارد كمعطى طبيعي عرفته البلاد منذ القديم، بل في سوء التصرف وغياب حوكمة المنظومة المائية.
فالبلاد تعاني من تهالك واهتراء شديدين في البنية التحتية والمشيدة منذ عقود، مما يتسبب في هدر هائل للمياه يُقدّر بنحو 25% من مياه الشرب (أكثر من 150 مليون متر مكعب سنوياً)، و33% من مياه المساحات السقوية (نحو 800 مليون متر مكعب سنوياً). وإذا ما أضيف إلى ذلك عدم الاستفادة الكافية من المياه المعالجة المتأتية من الصرف الصحي (حوالي 300 مليون متر مكعب سنوياً)، فإن المجموع الكلي للمياه المهدورة أو غير المستغلة يصل إلى نحو 1.2 مليار متر مكعب سنوياً—وهو رقم ضخم يمثل نصف الطاقة التخزينية المتاحة بسدود البلاد.
وبناءا عليه يتضح أن المقاربات الكلاسيكية القائمة على ربط الطمأنينة المائية بمواسم التساقطات المطرية أثبتت عدم نجاعتها.
وتقتضي المرحلة الانتقال الفوري نحو إعادة صياغة الاستراتيجية الوطنية للمياه، واضطلاع الدولة بجعل قطاع الماء أولوية استثمارية قصوى تركز على تجديد الشبكات المتقادمة، وتنويع المصادر، وإرساء سياسات تأقلم مدروسة مع التغيرات المناخية والطلب المتزايد.
هاجر وأسماء



