أخبار مهمة

عندما تتحول الخطابات الحقوقية الى ابتزاز للسيادة…!!؟؟

تونس اونيفارنيوز ليس من قبيل العنصرية أن يطالب المواطن بأن تكون بلاده آمنة، ذات سيادة، تُحترم فيها القوانين، ويُنظَّم الدخول إليها وفق ضوابط قانونية واضحة، كامتلاك جواز سفر صالح والحصول على إذن رسمي من الدولة. كما أن رفض فرض توطين أشخاص داخل البلاد، أياً كانت جنسياتهم، دون إرادة الدولة وموافقة شعبها، لا يُعد موقفاً عنصرياً، بل تعبيراً مشروعاً عن حق سيادي تكفله الأعراف الدولية وتمارسه جميع الدول دون استثناء.
وفي هذا السياق، تكتسب المقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي أهمية خاصة، إذ تعتمد هذه الدول نفسها سياسات صارمة في التعامل مع الهجرة غير النظامية، تصل في كثير من الأحيان إلى الترحيل القسري. وعليه، فإن المطالبة بتطبيق القانون في تونس لا يمكن اختزالها في خطاب عنصري، خصوصاً في ظل وضع داخلي دقيق، حيث تواجه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تشمل ارتفاع نسب البطالة، وتراجع جودة الخدمات، إلى جانب ضغوط متزايدة على الأمنين الصحي والغذائي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن جزءاً من الناشطين الذين يرفعون شعار “لا لترحيل الأفارقة” تحركهم بالفعل نوايا إنسانية صادقة. غير أن التعامل مع قضايا معقدة كهذه بمنطق حقوقي مطلق، دون مراعاة خصوصية السياق الوطني وتشابك عوامله، قد يُفضي إلى خطاب يبدو في بعض الأحيان منفصلاً عن الواقع، أو مفتقراً إلى الفعالية العملية.
في المقابل، تطرح قراءة نقدية لهذه التحركات إشكاليات تتعلق بضعف عمقها النضالي، وغلبة الطابع الاستعراضي عليها. ويتجلى ذلك في طبيعة الشعارات المرفوعة، التي كُتبت بلغات متعددة واستهدفت أطرافاً محددة، مثل الحكومة الإيطالية والسلطات المحلية، مقابل غياب لافت لأي نقد موجّه للقوى الدولية المؤثرة في ملف الهجرة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الخلفيات السياسية لهذا الخطاب وانتقائيته.
كما أن هذه التحركات لم تحافظ دائماً على طابعها الحقوقي الخالص، إذ شهدت تداخلاً مع ملفات سياسية أخرى، كالدفاع عن مساجين سياسيين أو معارضة السلطة، ما أضعف وضوح الرسالة الأساسية وشتّت تركيزها.
ومن أوجه القصور اللافتة أيضاً غياب التمثيل الحقيقي للمهاجرين الأفارقة أنفسهم، بوصفهم المعنيين المباشرين بقضية العنصرية، مقابل حضور مكثف للأحزاب والمنظمات، لا سيما أمام وسائل الإعلام. ويزداد هذا الضعف وضوحاً مع غياب التوثيق الميداني الجاد، حيث لم تُعرض حالات ملموسة أو شهادات مباشرة توثق انتهاكات محددة، مما جعل الخطاب عاماً ومجرداً أكثر منه قائماً على وقائع دقيقة.
في المقابل، يقتضي التعاطي الجاد مع هذه القضية تجاوز منطق الشعارات نحو مقاربة أكثر عمقاً وفاعلية، تقوم على توثيق الانتهاكات عبر شهادات حيّة، وتحليل الإطار القانوني والإجرائي لرصد مواطن التمييز إن وجدت، إضافة إلى العمل الميداني لمتابعة الممارسات اليومية، خاصة في القطاعات الهشة مثل الفلاحة والبناء.
كما تبرز الحاجة إلى فهم أعمق لما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الهجرة”، أي الشبكات والجهات التي تستفيد من حركة المهاجرين ومعاناتهم، سواء في مجالات النقل أو السكن أو تنظيم رحلات الهجرة غير النظامية. فهذه الزاوية تكشف أن المسألة لا تختزل في ثنائية عنصرية/مناهضة للعنصرية، بل ترتبط بمنظومة أوسع من المصالح والتشابكات الاقتصادية.
في النهاية، يكمن التحدي الحقيقي في تحقيق توازن دقيق بين صون سيادة الدولة وتطبيق القانون من جهة، وضمان الكرامة الإنسانية واحترام حقوق الأفراد من جهة أخرى. فالنقاش الجاد لا ينبغي أن يُختزل في ثنائيات تبسيطية، بل يجب أن يتجه نحو مقاربات واقعية، متزنة، وعادلة، تعالج جذور الظاهرة بعيداً عن الشعارات والانقسامات.

اسماء وهاجر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى