مضيق هرمز يعيد ازمة الغاز الى قلب اوروبا قبل الشتاء

تونس -أونيفار نيوز – يقف أمن الطاقة الأوروبي اليوم عند مفترق طرق حرج، مع انتقال ثقل الأزمات المهددة لاستقراره من أروقة القرار في موسكو إلى خطوط الملاحة البحرية في الشرق الأوسط، وتحديداً عبر مضيق هرمز الذي يعد أحد الشرايين الحيوية لنقل الطاقة عالمياً.
هذا الاضطراب المستجد في حركة السفن لم يعد مجرد حدث جيوسياسي بعيد عن القارة العجوز، بل تحول إلى صدمة مباشرة أصابت أسواق الغاز الأوروبية في توقيت شديد الحساسية، حيث تسابق القارة الزمن لإعادة ملء خزاناتها استعداداً لفصل الشتاء، وسط مؤشرات نفعية مقلقة تظهر تراجع مستويات التخزين إلى نحو 57% فقط من طاقتها الاستيعابية، وهو المعدل الأدنى الذي تسجله أوروبا في مثل هذا الوقت من العام منذ نحو عقدٍ من الزمان.
ولم تتأخر الأسواق في ترجمة هذه المخاوف إلى واقع رقمي ملموس، إذ قفزت أسعار العقود الآجلة المرجعية للغاز الطبيعي على مؤشر “تي تي إف” (TTF) الهولندي بنسبة بلغت 6.4% لتتجاوز حاجز 59 يورو (ما يعادل 68 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة. وتؤكد هذه الارتفاعات السريعة أن القفزة السعرية ليست مجرد رد فعل عابر أو مضاربات مؤقتة على أخبار التأخير البحري، وإنما هي انعكاس مباشر لهشاشة هيكلية عميقة في منظومة الطاقة الأوروبية، التي ما تزال تلملم أوراقها وتحاول استعادة توازنها الهيدروكربوني بعد الصدمة الهائلة التي تلقتها إثر القطع التدريجي للغاز الروسي عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا.
تكمن معضلة أوروبا الراهنة في أن جهودها اللاهثة لتنويع مصادر الإمداد وتفادي “الابتزاز الجيوسياسي” القادم من خطوط الأنابيب الروسية، أوقعتها في شباك اعتماد جديد على الأسواق البحرية المنقولة؛ فقد استبدلت بروكسل الاعتماد على المورد الروسي الإقليمي الوحيد بشبكة عالمية معقدة تعتمد بالدرجة الأولى على الغاز الطبيعي المسال (LNG) القادم من الولايات المتحدة ودولة قطر، إلى جانب التدفقات النمطية عبر الأنابيب من النرويج وشمال أفريقيا. هذا التحول البنيوي، رغم أنه منح أوروبا مرونة ظاهرة في البداية، إلا أنه فتح أمنها القومي على مصراعيه أمام تقلبات الممرات البحرية الشديدة الحساسية كـمضيق هرمز، الذي يعبر منه جانب رئيسي من تجارة الغاز المسال العالمية، ولا سيما الإمدادات القطرية الضخمة المتجهة نحو الأسواق المستوردة.
إن استمرار الانسداد الملاحي أو التعطيل الجزئي في الخليج لا يعني فقط تحمل الشركات الأوروبية لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري أو مواجهة جدول زمني متأخر لتسليم الشحنات، بل يهدد بسحب كميات هائلة من الغاز المسال خارج المعادلة المعروضة في الأسواق العالمية. هذا الشح القسري يدفع المشترين الأوروبيين إلى دخول ساحة كسر إرادات ومنافسة محتدمة مع كبار المستوردين في آسيا للظفر بالشحنات الفورية المتاحة، مما يرفع الأسعار إلى مستويات قياسية لا تتحملها الموازنات الإقليمية ولا قطاع الصناعة الأوروبي الذي يئن أساساً من تراجع القدرة التنافسية.
وما يضاعف من خطورة هذا المشهد المعقد هو أن القارة تتجه بخطى حثيثة نحو الموسم البارد، حيث يتضاعف الطلب المحلي على الغاز لغايات التدفئة المنزلية وتوليد الطاقة الكهربائية.
وكلما انخفض المنسوب التخزيني الاستراتيجي للغاز قبل حلول موجات البرد، كلما أصبحت الأسواق الأوروبية مكشوفة تماماً أمام أي صدمة إمداد إضافية أو تقلبات مناخية غير متوقعة. وهي الحالة التي سبق وأن حذرت منها وكالة الطاقة الدولية، مشيرة إلى أن استمرار تعثر الإمدادات الخليجية يهدد بإطالة أمد أزمة المعروض العالمي، مما يضع المستهلك الأوروبي أمام شتاء دافئ كلفته الباهظة، أو شتاء قارص تتجمد فيه خطط التعافي الاقتصادي.
هاجر واسماء



