راهنت القيادة السياسية غداة الاستقلال على التربية والتعليم لبناء تونس المستقبل، وراهن حينها الزعيم الحبيب بورقيبة على العلم والمعرفة لتحرير المجتمع من آفات الجهل والفقر والتعصّب والعروشيّة. وبالرغم من أنّ البدايات كانت في مستوى الاستثمارات والانتظارات حتى نهاية الثمانينات، فإنّ واقعنا التربوي أصبح اليوم يهدد استقرار البلاد على كلّ المستويات، ويجعلنا نتساءل أكثر من سؤال حول أسباب مؤشراته السّلبية ومآلها على غرار الانقطاع المبكر عن الدّراسة، والذي يتجاوز معدله 100 ألف تلميذ سنوياً، وتراجع جودة المدرسة التونسية ونتائجها إلى مستويات ومراتب مخجلة، وتنامي ظاهرتي الدّروس الخصوصية والعنف المدرسي، وتراجع نسبة التمدرس، وعدم استجابة الفعل التربوي لمتطلبات العيش الحديثة. أي أنّ المدرسة التونسية هي اليوم رهينة فشلها وعجزها عن الخروج من الخندق الذي أوقعت فيه نفسها.
توالت الدّراسات والنّدوات والاستشارات، وتداول عديد الوزراء الإشراف على القطاع، والواقع يزداد سوءاً سنة بعد سنة، وترتفع معه كلفة الفشل التي ستتحملها أجيال اليوم وأحيال الغد. والسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بأسباب عجز الفاعلين التربويين عن إنقاذ المدرسة التونسية بالرغم من أنّ المجتمع التونسي يؤمن بقدسية التعليم ويضحي بالغلي والثمين من اجل تربية ابناءه وتعليمهم. والإجابة ليست لها علاقة بتاتاً بانعدام الكفاءات والخبرات، ولا بندرة الحلول والاقتراحات، ولا بمراجعة البرامج والزمن المدرسي، بل بانعدام الوعي بأهمية إدارة عملية الإصلاح. فمشروع الإصلاح التربوي أو إعادة بناء المدرسة التونسية هو من المشاريع الضخمة التي تتطلب تدخل الدّولة ومتابعتها المتواصلة لمختلف مراحل الإنجاز. ومن البديهي ان يقف المتابع للشأن التربوي على انعدام الحرفية في مستوى إدارة مشروع الإصلاح التربوي، والتعامل معه كشأن عادي يدخل في خانة التصرف اليومي. في حين أنّ نجاح المشروع يتطلب الأخذ بعين الاعتبار عنصرين هامين، دونها لا يمكن الوصول بالمشروع إلى بر الأمان، وهما: مراجعة منهجية العمل، وحوكمة العملية.
ا: هندسة المشاريع الكبرى وضرورة التقيد بالمنهجية
إصلاح منظومة التربوية وإعادة بناء مدرسة عمومية هو من المشاريع الكبرى والمعقدة، وإن كان غير مادي في هيكلته الأساسية. فهو يتوجه إلى عديد الأطراف من حيث الاستغلال: التلميذ، والمدرس، والولي، والإدارة، والنقابات وله علاقة في الوقت نفسه بعديد القطاعات الأخرى كالتعليم العالي، والتكوين المهني، والتشغيل، والاقتصاد في مفهومه الشامل. بالإضافة إلى أنّ مدة الإنجاز ستتجاوز بالضرورة زمن استحقاق انتخابي في منظوره السياسي، ويتطلب الإنجاز استثمارات ضخمة يتم توفيرها من الثروات الوطنية. فإدارة مثل هذه المشاريع الكبرى دون اعتماد منهجية علمية وعملية، كإبحار سفينة أثناء العاصفة هوجاء ومن دون ان يكون لربانها بوصلة.
هندسة المشاريع الكبرى، سواء تعلق الأمر بتركيز شبكة سكك حديدية عابرة للقارات أو إرساء منصة رقمية لإدارة البلاد بأكملها، تتطلب اعتماد منهجية مهيكلة وهي ليست خياراً بيروقراطياً اعتباطيا، بل هي شرط من شروط البقاء وعامل من عوامل النجاح الأساسية، نتيجة لما تفرضه من انضباط ثلاثي الأبعاد لا غنى عنه. فمن دون هذا الإطار المنهجي، فإن عمل الدولة يمكن ان يواجه صعوبات تهدد حتى كيان المشروع وتدفع به إلى فخ التسرع والارتجال، ويتحول عندها إلى سلسلة من الإعلانات الإعلامية الجوفاء والبعيدة عن الواقع اللوجستي للميدان.
اا: قيادة التعقيد من خلال السيطرة المطلقة على الحوكمة
إذا كانت المنهجية هي المحرك الذي يدفع المشروع إلى الأمام، فإن الحوكمة هي المقود الذي يضمن المحافظة على المسار الذي وُضع له، حتى وإن كان في وسط الأزمات. إن حوكمة أي مشروع ضخم (Mégaprojet) يجب أن تحدد بدقة هيكلة السلطة التي ستتولى قيادته، وتعيين الأطراف المعنية بأخذ القرار، والمصادقة، والتنفيذ، وكيفية تسوية الإشكالات والنزاعات المحتملة، خاصة وأن الأطراف المتداخلة غالباً ما تكون اختصاصاتها مختلفة ومصالحها متضاربة. والقدرة على حوكمة مثل هذه المشاريع الكبرى تستجيب لثلاثة شروط استراتيجية أساسية:
- ضمان ديمومة الرؤية والرعاية الاستراتيجية (أثر الراعي Sponsor): يتطلب إنجاز مثل هذه المشاريع مدى زمنياً طويلاً. ومن الضروري أن يتم النأي به عن الحسابات السياسية قصيرة المدى؛ إذ يتعين على راعي المشروع وهي السلطة المكلفة بقيادته أن يتميز بدرجة عالية من الاستقرار ليكون قادرة على إبعاد المشروع وحمايته من الرهانات الانتخابية أو التعديلات الوزارية المتكررة. او الازمات التي يمكن ان تطرأ في الاثناء.
- وضوح المسؤوليات: من الضروري الحرص عند إنجاز المشاريع الضخمة، على غرار الإصلاح التربوي، على تحديد المسؤوليات بدقّة؛ فعندما يكون الجميع مسؤولاً، لا يصبح في واقع الأمر أحد مسؤولاً. وللحوكمة الرشيدة للمشاريع آلياتها التي تحدد دور كل طرف ومجالات تدخله، وتضمن بالتالي القضاء على شلل اتخاذ القرار وحروب الزعامات الإدارية.
- إدارة مسارات التصعيد ومعالجة التعطيلات: عادة ما تواجه مثل هذه المشاريع الكبرى والمعقدة صعوبات غير متوقعة على مستوى الاعتمادات المالية، أو مقاومة الطرف الاجتماعي لعقلية التغيير، فضلاً عن الإشكالات التقنية البحتة. وهنا تتجلى اهمية الحوكمة الرشيدة عبر قنوات مرنة تضمن رفع هذه التنبيهات إلى هيئات تحكيم وقرار شرعية للحسم السريع، تفادياً لوحل التمديد في الآجال والرفع في كلفة الإنجاز.
فالحوكمة ليست مجرد مقاربة نظرية حديثة أو هيكل تنظيمي جاف، بل هي الضامن الأخلاقي والاستراتيجي الذي يحرص على احترام متطلبات الشفافية، والمساءلة، والمواءمة الدائمة للمشروع مع المصلحة العليا للمجموعة الوطنية.
ااا: أسباب الإخفاقات المنهجية والسياسية للإصلاح التربوي في تونس
انطلاقاً من متطلبات النجاح في إنجاز المشاريع الكبرى، يصبح فشل محاولات إصلاح مدرستنا أو إعادة بنائها أمراً بديهياً وصارخاً. فحيثما يُفترض التأسيس للبناء، تحول قطاع التربية والتعليم في البلاد بعد سنة 2011 إلى نموذج مثالي للمشاريع التي تُدار خارج المنطق المنهجي السليم والمصلحة العامة، وفي ظل حوكمة يمكن وصفها بالمنكوبة تماماً.
ويتمثل السبب الأول لهذا الفشل الذريع في الغياب التام للحوكمة السياسيّة. فتعاقب أكثر من عشرة وزراء على رأس وزارة التربية في غضون خمسة عشر عاماً في وضع سياسي يتميز بحالة من التخبط والانعدام الكلي للرؤى الاستراتيجية في كافة القطاعات، ومن ضمنها التربية. فكان طموح كل قادم جديد على “باب بنات” دخول التاريخ عبر الانطلاق من ورقة بيضاء، متجاهلاً تماماً مسارات أسلافه، مما حوّل مشروع الإصلاح إلى حلم صعب المنال، وأثار إحباط الأسرة التربوية برمتها، وخلف استياءً عميقاً لدى المدرسين والأولياء والتلاميذ والمجتمع على حد سواء.
أما السبب الثاني، فيتجلى في “ثنائية التعامل “ مع الأزمات التي عرفها قطاع التربية على امتداد عشرية كاملة، وهي التي جعلت المنظومة رهينة عند الطرفين المتنازعين – الوزارة والنقابات – في ظل غياب مقاربة حوكمة تتمتع بالمصداقية، وتحدد بوضوح خطوط التماس بين الحوار الاجتماعي والتحكيم الاستراتيجي. وتحولت المدرسة نتيجة لذلك إلى عملة مقايضة سياسية؛ فتم التضحية بالإصلاحات البيداغوجية على مسرح المفاوضات الاجتماعية والمالية وصراع التوازنات الأيديولوجية، مما أصاب أي إمكانية للتطور بالشلل التام.
ويتمثل السبب الثالث في عدم إدراك ضرورة التعامل بمنهجية مع الإصلاح، حيث سقطت السّلطة في فخ التشخيص القديم المتجدد. إذ أُنفقت ملايين الدنانير وسنوات طوال من العمل في الاستشارات، والأيام الدراسية، والحوارات المجتمعية، والكتاب الأبيض. ولم يتجاوز المشروع قط مرحلة التخطيط العملياتي، هذا إن لم نقل إنه لم ينطلق أصلاً. فتتالت وعود الإصلاح والنوايا الحسنة وتراكمت الدراسات، دون أن تترجم يوماً إلى خطة تنفيذية واقعية، مجدولة زمنياً، ومرقمة مالياً.
vا: إعادة بناء تاريخية للمدرسة التونسية: متطلبات النجاح
يتطلب انتشال المدرسة التونسية من مسار انهيارها وإنجاح عملية إعادة بنائها الابتعاد عن الحلول التجميلية والوعود الجوفاء، والكف عن التعامل مع المشروع بعقلية تصريف الأعمال اليومي. فنحن اليوم بحاجة ماسة ومستعجلة إلى إعادة التأسيس لإنجاز المشروع على قواعد سياسية، واستراتيجية، ومنهجية غير مسبوقة وحتمية في آن واحد؛ وهي مقاربة تفرض اتخاذ ثلاث قرارات قطيعة حاسمة:
- اعتبار التربية والتعليم قطاعاً سيادياً وشأناً وطنياً
يجب على تونس إخراج المدرسة من حلبة السياسات الحزبية الضيقة والتقلبات الحكومية. ويتعين إعلان مشروع إعادة بناء التعليم والمدرسة العمومية قضية وطنية ذات أولوية سيادية، على قدم المساواة مع الأمن القومي، والسلم الاجتماعي، والاستقرار الاقتصادي في مفهومه الشامل.
وهذا يقتضي اعتماد “ميثاق وطني تربوي”؛ وهو وثيقة تحدد بوضوح نموذج المواطن المراد تكوينه، التوجهات الاقتصادية الكبرى، الخيارات اللغوية والعلمية، بالإضافة إلى المسارات المالية وجدولتها على مدى الخماسيات الثلاث القادمة. ليصبح هذا الميثاق، بعد المصادقة عليه، قانون دولة راسخاً لا يمكن المساس به، وتتحمل الحكومات المتعاقبة بغض النظر على توجهاتها مسؤولية الحرص على احترام ما ورد فيه من توجهات واختيارات، دون أن تكون لها صلاحية تعديل جوهره بصفة منفردة. - 2. تفعيل حوكمة سيادية للمشروع عبر المجلس الأعلى للتربية والتعليم
لتجنب الانعكاسات السلبية لأي مواجهة محتملة بين الإدارة والنقابات، أو لأي تغيير على مستوى السلطة التنفيذية، من الضروري تكليف المجلس الأعلى للتربية والتعليم بقيادة مشروع إعادة بناء المدرسة التونسية، ليكون العقل المدبر والقوة الدافعة لهذه الثورة في مستوى الحوكمة.
ولا ينبغي أن تقتصر مهمة هذا المجلس على دور استشاري هامشي، بل يجب أن يكون سلطة تعديل وقيادة استراتيجية عليا، تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية، بالرغم من أن القرارات النهائية والحاسمة تبقى من مشمولات هرم السلطة التنفيذية. وبتحوله إلى “الراعي الاستراتيجي” (Sponsor) الحقيقي للمشروع، سيوفر هذا المجلس الاستقرار والتحكيم العلمي، وهما عاملان ضروريان لإيصال عملية إعادة البناء إلى بر الأمان. - 3. اعتماد منهجية هجينة: تخطيط صارم وتجريب مرن
إن اعتماد منهجية مهيكلة هو وحده الكفيل بضمان نجاح عملية إعادة البناء، لأنها سترتقي بالطموح السياسي من مجرد شعار إلى واقع ملموس ومستدام. ويتجلى إسهامها في المحاور الرئيسية التالية:
- الجدولة الزمنية والوظيفية: وهي التي ستترجم الطموح السياسي إلى استراتيجيات وأهداف ومخرجات قابلة للقياس والجدولة، كما ستحدد بوضوح المخططات، ومراحل الإنجاز، وإجراءات التجريب والمصادقة، قبل الوصول إلى التعميم على نطاق واسع.
- الانسجام والاستمرارية: تحمي المنهجية الصارمة المشروع من الإصلاحات المجزأة أو تغييرات المسار المفاجئة، وتحصّن سير العمليات عبر حمايتها من الانقطاعات الإدارية.
- ضمان التناغم بين الفاعلين في القطاع: من خلال إرساء مقاربة تشاركية تضمن مناخ تعامل قوامه الثقة بين الوزارة، والنقابات، والمدرسين، والأولياء، والمختصين والخبراء والمجتمع المدني مما يقلل من مقاومة التغيير.
- تخصيص الموارد والتحكم فيها: لتفادي التكاليف الخفية وغير المنتظرة للمشروع، تفرض المنهجية تخطيطاً مسبقاً للاحتياجات من الموارد البشرية، واللوجستية، والمالية؛ وذلك تجنباً للمفاجآت غير السارة التي يمكن أن تتسبب في تعثر المشروع أو في تعطله.
- ثقافة التقييم المستمر: تعتمد أساليب إدارة المشاريع الحديثة مؤشرات رئيسية لتقييم الأداء والنتائج، وفقاً لمنهجيات تهدف إلى اختبار الحلول بطريقة سريعة وعلى نطاق ضيق، وتحليل إخفاقاتها، وإجراء التعديلات اللازمة قبل تعميمها، مما يقلل من مخاطر الرفض، أو عدم الانسجام العام، أو الانحراف عن الأهداف.
وكخاتمة لهذا المقال، أؤكد على
أنّ أزمة المدرسة التونسية ليست حتمية تاريخية، بل هي نتاج إهمال سياسي وإداري تواصل على امتداد عقود طويلة، وفشل الحوكمة في مستوى هرم الدّولة. وإن الاستمرار في ضخ الموارد المالية دون جدوى في نظام يفتقر اليوم إلى الهيكلة والقيادة، لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة التعليم العمومي وتحويله إلى “مستنقع” يبتلع الموارد ويتسبب في مزيد من توسيع فجوة الفوارق الاجتماعية.
إن إنقاذ التعليم العمومي في تونس يتطلب هبّة من الشجاعة السياسية والإرادة الفعلية؛ وذلك من خلال تحويل إعادة البناء التربوي إلى مشروع دولة ضخم، يتم تحصينه بتوافق وطني، وتعهد قيادة إنجازه إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم، مع التقيد عند تنفيذه بصرامة الأساليب الصناعية والمنهجيات العلمية والعملية الحديثة. فالرهان يتجاوز اليوم بكثير مقاعد الدراسة والمدرس والتلميذ. فالأمر يتعلق باستعادة المدرسة العمومية لدورها الضامن للحق في التربية والتعليم وتكافؤ الفرص لكل أبناء تونس وبناتها اين كانوا ومتى كانوا، ويتعلق بتمكين الشاب التونسي بالأسلحة الفكرية والعلمية لضمان ليكون لحياته ومعنى ولوجوده أثر. إن الورشة ضخمة، لكن تأجيل تنفيذها على أسس صلبة يعادل إعلان إفلاس الأمة.
رئيس الجمعية التونسية للأولياء و التلاميذ رضا الزهروني




