أخبار مهمة

يوسف السايبي وعلي الزواوي: بصمات في ذاكرة الوطن….

 

.استحضار هذين الاسمين هو احتفاء بتكامل الأدوار في مسيرة بناء تونس الحديثة….

 

تونس اونيفارنيوز بين جغرافية جلمة وعمق تاريخ حاجب العيون، تتجلى سيرة رجلين لم يكونا مجرد عابرين في الزمن، بل كانا من صانعيه، تاركين بصمات راسخة في المكان والذاكرة. إن استحضار يوسف السايبي وعلي الزواوي هو عودة إلى جيل الرواد الذين جمعوا بين المعرفة الأكاديمية وروح الخدمة الوطنية، وأسهموا في تشكيل ملامح تونس الحديثة عمرانًا واقتصادًا.

في ذاكرة مدينة جلمة، يبرز اسم يوسف السايبي كأحد أبرز الكفاءات الوطنية التي سخّرت الهندسة لخدمة التنمية. لم يكن مجرد مسؤول إداري، بل كان مهندسًا يحمل رؤية واضحة للبناء والتخطيط. فقد شهدت جلمة خلال فترة إشرافه، بصفته مؤسسًا وأول رئيس لبلديتها، نقلة عمرانية نوعية جعلت منها ورشة تنموية متكاملة.

ارتبط اسمه بتشييد المدارس والمعاهد التي احتضنت أجيالًا من التلاميذ، وبإنشاء الفضاءات الرياضية والمؤسسات الإدارية التي قرّبت الخدمات من المواطن. وخلال بداية السبعينات، توسعت المدينة بأحياء حديثة ومنظمة، مما ساهم في تحويلها من تجمع بسيط إلى نواة حضرية متطورة.

وقد فتحت له هذه التجربة الميدانية أبواب المسؤوليات الوطنية، فتقلد مناصب هامة من بينها إدارة “سنيت الجنوب”، ثم ولاية سليانة، فالإدارة العامة للوكالة العقارية للسكنى، وصولًا إلى مهام عليا بوزارة التجهيز. كما امتدت بصماته إلى العاصمة وضواحيها، حيث ساهم في تخطيط أحياء كبرى مثل المنار والنصر والمروج والمدينة الجديدة ببن عروس، إلى جانب مناطق أخرى كفوشانة وبرج السدرية وبومهل.

وما يميز هذه الرؤية أنها كانت سابقة لعصرها، خاصة في تصميم البنية التحتية التي استوعبت لاحقًا مشاريع النقل الحديثة، مما جعل إرثه العمراني حاضرًا إلى اليوم كشاهد على عمق تفكيره وبعد نظره.

وفي حاجب العيون، يبرز اسم علي الزواوي كأحد أبرز العقول الاقتصادية التي ساهمت في بناء الدولة الوطنية. تلقى تعليمه في أرقى الجامعات الفرنسية، وعاد ليضع خبرته في خدمة تونس، متوليًا منصب محافظ البنك المركزي، حيث لعب دورًا محوريًا في رسم السياسات النقدية وضمان التوازن الاقتصادي في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

ولم يقتصر حضوره على المجال المالي، بل امتد إلى الحياة الاجتماعية والرياضية، حيث ترأس الترجي الرياضي التونسي، وأسهم في إدخال أساليب حديثة في التسيير مستمدة من خبرته المؤسساتية.

وقد شكلت وفاته المفاجئة سنة 1972 في حادث مرور خسارة فادحة، ليس فقط لحاجب العيون، بل لتونس بأسرها، إذ انطفأ مشروع وطني واعد في أوج عطائه.

إن استحضار يوسف السايبي وعلي الزواوي اليوم هو احتفاء بتكامل الأدوار في مسيرة بناء تونس الحديثة. أحدهما مهندس العمران الذي أسس البنية التحتية وشيد المؤسسات، والآخر رجل الاقتصاد الذي حافظ على استقرار الدولة وأسهم في تطوير مؤسساتها.

كلاهما انطلق من عمق الوسط التونسي، وارتقى بالعلم والعمل إلى أعلى مراتب المسؤولية. وهما اليوم مثال لجيل لم يسعَ إلى بناء مجد شخصي، بل وضع أسس وطن يتسع للجميع، ولا تزال إنجازاتهما شاهدة على عصر البناء والتأسيس.

الامجد العثماني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى