أخبار مهمة

معركة السطو على الرموز تتكرر: ابن خلدون تونسي ولا تأثير للجزائر على فكره….!!

تونس اونيفارنيوز ككلّ مرّة، تتكرّر محاولات السطو على التراث التونسي، الماديّ منه ،المعنويّ والثقافي.

غير أنّ ما يُطرح اليوم تجاوز حدود الاختلاف في التأويل إلى مستوى غير مقبول من التدليس، عبر الادّعاء بأنّ للجزائر تأثيرًا جوهريًا في فكر ابن خلدون وكتاباته. وحتى من باب المجاملة، يبقى هذا الطرح مرفوضًا، لأنّه يمسّ بإرث تاريخي واضح المعالم، ويحوّل شخصيّات الحضارة المغاربيّة إلى مادّة للتوظيف الدعائي بدل التعامل معها بمنطق البحث العلمي والاحترام المتبادل.

لقد تحدّث ابن خلدون عن “إفريقية” بوصفها المجال السياسي والحضاري الذي كانت تونس مركزه في العهد الحفصي، ولم يشر في كتاباته إلى “الجزائر” ككيان سياسي بالمفهوم الحديث .كما اعتبر أنّ استقرار إفريقية هو أساس استقرار المنطقة بأسرها. وبالتالي فإنّ نسبة هذا الإرث إلى غير سياقه التاريخي لا يمكن اعتبارها مجرّد خطأ عابر، بل هي تحريف يسيء إلى الذاكرة الثقافيّة ويشوّش على الحقائق التاريخيّة كما رد على ذلك الخبير الاستراتيجي سامي الجلولي.

والثابت تاريخيًا أنّ ابن خلدون وُلد ونشأ وتكوّن علميًا في تونس، داخل فضائها الثقافي والسياسي والاجتماعي، وهو ما يجعل هويّته الحضاريّة والتاريخيّة واضحة لا تحتمل الالتباس. أمّا الحديث عن “تأثير جزائري حاسم” في صياغة فكره أو “المقدّمة”، فهو مبالغة تفتقر إلى الدقّة العلميّة، لأنّ التنقّل أو الإقامة العابرة لا يغيّران الأصل الفكري ولا الانتماء الحضاري.

أن التاريخ يزخر بالامثلة فالقدّيس أوغسطين، رغم ولادته في سوق أهراس، ارتبط تكوينه الفكري بقرطاج ضمن فضاء حضاري واحد آنذاك. غير أنّ ذلك لا يبرّر القفز على التعقيدات التاريخيّة أو إعادة رسم الهويّات بمنطق سياسي معاصر.

ومن المفارقات أنّ التونسيّين، رغم مساهماتهم الكبرى في تأسيس مراكز علميّة وحضاريّة كالقاهرة والأزهر والقرويين، لم يحوّلوا ذلك إلى خطاب استحواذ أو ادّعاء امتلاك لتاريخ الآخرين. فالتفاعل الحضاري شيء، والاستيلاء الرمزي على الشخصيّات والتاريخ شيء آخر تمامًا. ان التاريخ يُبنى على الوثيقة والمعرفة، لا على المجاملة أو الخطاب العاطفي.

كما أنّ تونس لطالما تعاملت مع الرموز المشتركة بروح من الاحترام. فجميلة بوحيرد، ذات الأصول التونسيّة من جهة والدتها، ظلّت رمزًا جزائريًا خالصًا في الوعي التونسي قبل الجزائري. وكذلك الأمر بالنسبة إلى شخصيّات عربيّة ومغاربيّة عاشت أو وُلدت في تونس دون أن يدّعي أحد نسبتها إليها، لأنّ الإقامة أو الاحتضان لا يمنحان الهويّة تلقائيًا.

ولو اعتمدنا منطق “المكان يصنع الانتماء”، لأمكن نسبة عشرات الأدباء والفنّانين والمفكّرين إلى البلدان التي أقاموا فيها فحسب، وهو منطق لا يستقيم تاريخيًا ولا ثقافيًا. فالإبداع قد يولد في المنافي أو أثناء الترحال، لكنّ الهويّة الحضاريّة تبقى مرتبطة بالجذور والتكوين والسياق التاريخي.

وليست هذه المرّة الأولى التي يتم خلالها الادعاء باطلا على تونس فقد سبق لوزيرة الثقافة الجزائريّة السابقة، مليكة بن دودة، أن زعمت أنّ “الثقافة التونسيّة مستوحاة من الإرث الجزائري الذي يُعدّ الأقدم في الدول العربيّة”. والحال أنّ أبرز المختصّين في التاريخ أكّدوا أنّ تونس لم تكن يومًا مجرّد متلقّية للثقافة، بل كانت مصدرًا لها، وأنّها سبقت غيرها في تأسيس أنظمة الحكم والقوانين والمجتمع المدني منذ آلاف السنين.

فتونس، التي أسّست واحدة من أعرق الجمهوريات في التاريخ عبر النظام السياسي القرطاجي، قدّمت نموذجًا حضاريًا متقدّمًا في التنظيم والإدارة والقانون. وهي أيضًا من أوائل الحضارات التي أرست مفاهيم العدالة والتنظيم المدني وحقوق الفئات الاجتماعية، في سياق تاريخي سبق بكثير نشوء المفاهيم الحديثة للدولة والمؤسّسات.

لقد شكّلت قرطاج نموذجًا سياسيًا وحضاريًا فريدًا، امتدّ نفوذها إلى أجزاء واسعة من شمال إفريقيا وحوض المتوسّط، وانتشرت لغتها ومعتقداتها وتأثيراتها الثقافيّة في المنطقة. ولذلك، فإنّ تاريخ تونس يُعدّ ركيزة أساسيّة في تاريخ شمال إفريقيا، وجذور حضارتها ضاربة في عمق الزمن قبل رسم حدود الدول الحديثة بقرون طويلة.

تونس علّمت وابتكرت وبنت، ولم تكن يومًا تابعة أو مقلّدة. وعليه فإنّ الحديث عن “إرث جزائري” ألهم تونس،او عن تأثير جوهري للجزائر في تشكيل هويّتها الحضاريّة، خطأ في التاريخ والجغرافيا معًا.وهو اساسا طرحا يفتقر إلى الدقّة التاريخيّة ويخلط بين التفاعل الطبيعي بين الشعوب وبين إعادة كتابة التاريخ بمنطق سياسي معاصر.

اسماء وهاجر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى