سهرة “روندو فينيزيانو” بقرطاج: رحلة عبر الزمن بين التاريخ والرومانسية

تونس -أونيفار نيوز – سهرة فرقة “روندو فينيزيانو” الإيطالية ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي كانت سهرة متميزة فمنذ ضربة البداية، فرضت الأوركسترا عالمها الخاص، فتشكلت لوحة هارمونية ساحرة تقودها خمس عشرة كمنجة يتوسطها البيانو، فيما منح الحضور البصري العرض ثراءً استثنائيًا مع تألق العازفات السبع بأزياء تاريخية مستوحاة من العصر الباروكي وكأنهن خرجن للتو من لوحات عصر النهضة، في حين أضفى اللباس الأسود لبقية الأعضاء لمسة من الأناقة والهيبة التي حولت المسرح إلى مشهد يختزل تفاصيل الذاكرة الفنية الإيطالية.
وبلغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، عبرت المعزوفات حدود الثقافات، حيث انساق الحضور وراء إيقاعات رومانسية هادئة تستحضر روح البندقية قبل أن تتصاعد النغمات متأثرة بمحطات فارقة من التاريخ الإيطالي، مؤكدة أن الفرقة لم تكن يوماً مجرد مجموعة كلاسيكية تقليدية، بل هي مشروع ثقافي متكامل أسسه الملحن وقائد الأوركسترا جيان بييرو ريفيربيري عام 1979 بهدف دعم خريجي المعاهد الموسيقية الشباب، ونجحت من خلاله في إرساء هوية فريدة تمزج بين باروك البندقية وإيقاعات البوب والأصوات المعاصرة.
ولم تكن السينوغرافيا مجرد خلفية بصرية، بل لعبت دورًا محوريًا في إغناء تجربة الجمهور من خلال شاشات عرضت صورًا تاريخية للبندقية تفاعلت مع كل نغمة لترسم مشاهد تتحد فيها الصورة بالموسيقى، حيث جالت الفرقة بالحضور بين بستان من أشهر أعمالها، فحلقت الكمنجات في “فصول البندقية”، وانسابت اللمسات الشاعرية للبيانو في “لقاء سحري”، ودار حوار متناغم بين آلات النفخ والقيثارة في “رقصة متوسطية”، إلى جانب روائع أخرى مثل “سحر البندقية” و”لآلئ الشرق” و”لحظات السحر” و”كازانوفا”. ثم بلغت الأمسية ذروتها مع مقطوعة “لا سيرينيسيما”، حيث امتزج الطابع الكلاسيكي بالتوزيع الحديث مع حضور لافت لآلة الدرامز التي أضفت نسقًا حماسيًا يُحاكي هيبة التاريخ وقوته، ليغادر جمهور قرطاج هذه السهرة وهو يحمل في ذاكرته تجربة إنسانية متكاملة أثبتت أن الفن الصادق هو اللسان المشترك بين الشعوب، وأن أثر “روندو فينيزيانو” سيبقى محفورًا كجسر ممتد بين الثقافات.



