تونس -أونيفار نيوز –وصف الخبير الاقتصادي معز حديدان، في قراءته لأحدث معطيات البنك المركزي، صورة دقيقة للمشهد الاقتصادي التونسي خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، حيث تتداخل الضغوط الخارجية بالاختلالات الهيكلية الداخلية لتفرض واقعاً يتسم بالهشاشة وتراجع وتيرة النشاط العام.
تتجلى أولى ملامح هذه الصعوبات في القطاع الخارجي، إذ أدى تفاقم العجز التجاري إلى قفزة حادة في العجز الجاري بنسبة بلغت 49 بالمائة، ليرتفع من نحو 2.8 مليار دينار في الفترة المماثلة من سنة 2025 إلى ما يناهز 4.2 مليار دينار في العام الحالي، وهو ما شكل ضغطاً مباشراً ومتزايداً على مدخرات البلاد من العملة الصعبة وحدّ من قدرتها على المناورة التمويلية.
هذا الضغط المالي تزامن مع مسار نزولي واضح للنمو الاقتصادي؛ فبعد أن حققت البلاد نمواً بنسبة 2.6 بالمائة في الثلاثي الأول، تراجعت الوتيرة إلى 2.3 بالمائة في الثلاثي الثاني، مع ترجيح هبوطها إلى ما دون 1.5 بالمائة خلال الثلاثي الثالث.
ويعود هذا التراجع بالأساس إلى التداعيات المباشرة وغير المباشرة لأزمة انقطاع التيار الكهربائي التي ألقت بظلالها الثقيلة على القطاعين الخدماتي والصناعي، حيث سجلت مصانع عدة انخفاضاً في رقم معاملاتها بنحو 10 بالمائة بالتوازي مع ارتفاع تكاليف الشراء والمستلزمات، مما كبّد القيمة المضافة خسائر ملموسة قد تدفع بنمو القطاع إلى أقل من 1 بالمائة، أو حتى تذهب بالنمو العام نحو المنطقة السالبة بالنظر إلى محورية قطاع الطاقة في تحريك الدورة الاقتصادية بأكملها.
وفي عمق هذه الأزمة الإنتاجية، يبرز المشهد المالي بنوع من المفارقة؛ فالكتلة النقدية تسجل ارتفاعاً لافتاً تغذيه القروض الإجمالية، إلا أن حركة الائتمان تتسم بانحراف هيكلي مثير للقلق. فالتمويلات الموجهة إلى المحرك الفعلي للإنتاج—أي الشركات والأفراد—شهدت شبه جمود بنمو لم يتعدَّ 1.3 بالمائة نتيجة تراجع الطلب وضعف المبادرة الاستثمارية، في حين استأثرت الدولة بالجزء الأكبر من التمويلات البنكية.
هذا التوجه نحو إقراض الخزينة العامة، رغم أنه يعكس حسابات البنوك المتعلقة بالمخاطر ونسب الملاءة، إلا أنه يعطل الدور الطبيعي للجهاز المصرفي في ضخ السيولة داخل الاقتصاد الحقيقي.
ويشدد هذا التشخيص إلى أن الرهان الحقيقي لتونس يكمن اليوم في الداخل؛ فأي انتعاش نسبي أو استقرار في المؤشرات الخارجية سيبقى بلا فاعلية ولن ينعكس على حياة المواطنين أو أداء المؤسسات، ما لم ترافقه إرادة حاسمة لمعالجة الاختلالات المحلية، وتأمين الخدمات الأساسية كالطاقة، وإعادة توجيه المسار التمويلي ليخدم التنمية والاستثمار الفعلي.



