تونس اونيفارنيوز عاد النقاش من جديد حول منظومة الشيكات في تونس، بعد أن بدأت تتضح أكثر تداعيات التنظيم الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في فيفري 2025، ليس فقط على مستوى المعاملات التجارية، وإنما أيضاً على الدورة الاقتصادية وقدرة عدد من الأنشطة على تأمين حاجياتها من التمويل قصير الأجل.
وفي مداخلة اعلامية له اكد الخبير في تمويل الاستثمار اكد رضا مرابط ان المسألة، في الواقع، تتجاوز الشيك باعتباره مجرد وسيلة دفع. فالشيك في تونس، وعلى امتداد عقود، تحول بفعل الممارسة الاقتصادية إلى أداة لتمويل المعاملات على المدى المؤجل، في اقتصاد لم تكن فيه قنوات التمويل التقليدية قادرة دائماً على الاستجابة لحجم الحاجيات الفعلية للمؤسسات والأفراد.
هذه الممارسة في تقديره لم تظهر من فراغ، ولم تكن مجرد ابتكار قانوني أو مصرفي، وإنما فرضتها طبيعة الاقتصاد التونسي منذ الاستقلال، بما اتسم به من محدودية الادخار وصعوبة النفاذ إلى التمويل البنكي، خصوصاً بالنسبة إلى الاستهلاك والاستثمار وتمويل دورة الاستغلال.
وفي مواجهة هذه الصعوبات، طور التونسيون، كما يحدث في المجتمعات عموماً، آلياتهم الخاصة لتلبية حاجياتهم. فجزء كبير من العلاقات والمعاملات اليومية يقوم على الثقة والروابط العائلية والاجتماعية وعلاقات الجوار والصداقة، وليس على القانون وحده.
آلاف المعاملات تتم كل يوم دون عقود معقدة ودون اللجوء إلى القضاء، لأن الثقة والالتزام الأخلاقي والاجتماعي يمثلان في كثير من الأحيان الضمان الحقيقي للمعاملة.
وفي هذا السياق نشأت منظومة اقتصادية موازية للتمويل البنكي التقليدي، تقوم على البيع والشراء بالأجل، وعلى التضامن العائلي والاجتماعي، وعلى الشيكات المؤجلة. وقد لعبت هذه الآليات دوراً مهماً في تمويل أنشطة واستهلاكات واستثمارات لم تكن لتجد بالسهولة نفسها طريقها إلى مصادر التمويل الرسمية.
وكان الشيك، بفضل قوته القانونية والجزائية، يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المنظومة. فقد وفر للمتعاملين وسيلة بسيطة وسريعة لتأجيل الدفع، وأصبح عملياً أداة تمويل قصيرة الأجل، لا تتطلب ملفاً بنكياً ولا دراسة ائتمانية ولا إجراءات طويلة ولا تكاليف هيكلية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر _استنادا لمداخلته _إلى منظومة الشيكات في شكلها القديم باعتبارها نوعاً من سوق تمويل واسعة وغير مكلفة، أنشأتها الممارسة الاقتصادية نفسها. كانت تقوم على الثقة، وعلى رسوخ العادة التجارية، وعلى قوة الالتزام الذي يمثله الشيك.
المعضلة اليوم هي أن الحاجة الاقتصادية التي صنعت هذه المنظومة لم تختفِ بتغيير القانون.
فالاقتصاد التونسي ما زال في حاجة إلى تمويل قصير الأجل، والمؤسسات ما زالت تحتاج إلى السيولة لتمويل دورة الاستغلال، والأنشطة الموسمية تحتاج إلى موارد مالية سريعة خلال فترات محددة من السنة. لكن الأداة التي كانت تلبي جانباً من هذه الحاجة أصبحت أكثر صعوبة، وهو ما بدأت تداعياته تظهر في عدد من القطاعات.
ويبرز قطاع زيت الزيتون مثالاً واضحاً، إذ تحتاج المعاصر والمتعاملون خلال موسم الجني والتحويل إلى سيولة كبيرة وفي فترة زمنية قصيرة لشراء الزيتون والزيت. كما تحتاج تربية الأغنام والأبقار إلى تمويل متواصل لشراء الأعلاف وتغطية تكاليف التربية إلى حين بلوغ الحيوانات مرحلة التسويق. وفي قطاع المياه المعلبة، تحتاج المؤسسات إلى تمويل مخزوناتها خلال فترات انخفاض الاستهلاك استعداداً لفترات الذروة.
هذه الأنشطة لا تبحث بالضرورة عن تمويل طويل الأجل، وإنما عن تمويل سريع ومرن وقصير الأجل يتلاءم مع دورة النشاط.
وهنا تحديداً كان الشيك المؤجل يؤدي وظيفة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
إن السؤال المطروح اليوم لا ينبغي أن يكون فقط كيف نمنع إساءة استعمال الشيك؟ بل أيضاً: كيف نعوض الوظيفة التمويلية التي كان يؤديها؟
فإلغاء أو تقييد أداة تمويل لا يلغي الحاجة الاقتصادية التي كانت وراء استخدامها. وإذا لم توفر المنظومة المالية الرسمية البديل المناسب، فإن الفاعلين الاقتصاديين سيبحثون، بالضرورة، عن أدوات أخرى.
ومن الممكن في هذا الإطار التفكير في إعادة النظر في بعض الجوانب المتعلقة بالشيك، بما يميز بوضوح بين استعماله كوسيلة دفع وبين استعماله في إطار معاملة تجارية مؤجلة وحقيقية، مع توفير ضمانات قانونية وشفافية أكبر.
كما يمكن تطوير استعمال الكمبيالة، لكن بصيغة جديدة أكثر بساطة وملاءمة للواقع الاقتصادي. ويمكن للبنوك أن توفر كمبيالات مرقمة وسهلة التحرير والتداول، تتضمن بوضوح طبيعة المعاملة التجارية التي صدرت بموجبها، بما يجعلها أداة تمويل قانونية وشفافة وقابلة للتتبع.




