أخبار مهمة

إصلاح منظومة التأجير في تونس.. بوابة إنقاذ الضمان الاجتماعي…

تونس اونيفارنيوز يعدّ تشتّت أنظمة التأجير، وضعف منظومة الحسابات الفردية، وصعوبات استخلاص الاشتراكات الاجتماعية من أبرز مكامن الخلل التي تواجه منظومة الضمان الاجتماعي في تونس استنادا الى مداخلة الخبير المختص في الضمان الاجتماعي الهادي دحمان.

هذه الاختلالات لا يمكن فصلها عن بعضها، لأن تعدد المرجعيات وتعقّد أنظمة التأجير ينعكسان مباشرة على دقة المعطيات، ونجاعة الاستخلاص، وقدرة الصناديق الاجتماعية على حماية حقوق الأجراء وضمان توازناتها المالية.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة هذه الإشكالات لم تعد تحتمل حلولاً جزئية أو ترقيعات ظرفية، بل تستوجب إصلاحاً وطنياً عميقاً وشاملاً يقوم على توحيد المرجعيات، وتبسيط الإجراءات، ورقمنة المعطيات، وإرساء حوكمة أكثر نجاعة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في التأجير والامتيازات.

وتستند منظومة التأجير في تونس إلى شبكة واسعة من النصوص والمرجعيات، تختلف باختلاف القطاعات والأسلاك والمؤسسات. فإلى جانب القانون العام للوظيفة العمومية والأنظمة الأساسية الخاصة، توجد مجلة الشغل والاتفاقيات المشتركة والأنظمة التي تضبط المنح والامتيازات والمسارات المهنية. وقد أفرز تراكم هذه المرجعيات منظومة شديدة التعقيد، تتباين فيها قواعد التأجير من قطاع إلى آخر، وتختلف معها الحقوق والامتيازات وآليات التصرف.

هذا التعدد لم يبقَ مجرد إشكال قانوني أو إداري، بل أصبح له تأثير مباشر على مسار الاستخلاص وعلى قدرة الصناديق الاجتماعية على امتلاك صورة دقيقة ومتكاملة عن المسار المهني لكل أجير. فكلما تعددت القواعد وتباينت أنظمة التأجير، ازدادت صعوبة توحيد المعطيات ومعالجتها ومراقبتها، وأصبحت الحسابات الفردية أمام تحديات هيكلية حقيقية.

في هذا السياق تكتسي منظومة الحسابات الفردية، أهمية محورية، باعتبارها الأداة التي تسمح بربط المسار المهني للأجير بأجوره واشتراكاته وحقوقه الاجتماعية. لذلك فإن أي خلل في تسجيل المعطيات أو تحيينها أو ربطها بمختلف مراحل المسار المهني يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على حقوق الأجير وعلى سلامة عمليات الاستخلاص والتصفية.

غير أن بناء منظومة حسابات فردية فعالة لا يمكن أن يتم في ظل المرجعيات المتعددة والإجراءات المعقدة نفسها.

فالمطلوب هو الانتقال من معالجة الملفات بصورة مجزأة إلى منظومة وطنية متكاملة للبيانات والمعطيات الاجتماعية والمهنية، تستند إلى قاعدة قانونية واضحة، وإلى بنية تقنية حديثة، وإلى كفاءات قادرة على إدارة هذا التحول.

وهنا تبرز الرقمنة باعتبارها أكثر من مجرد تحديث تقني؛ فهي شرط أساسي لإعادة تنظيم المنظومة برمتها. فالربط بين قواعد البيانات، وتحيين المعطيات بصورة آلية، وتوحيد طرق التصريح والمعالجة، واعتماد أنظمة معلومات متطورة، كلها إجراءات من شأنها الحد من الأخطاء والتضارب في المعطيات، وتسريع عمليات الاستخلاص، وتحسين الرقابة.

كما أن الإصلاح يستوجب مراجعة طريقة صياغة وإدارة أنظمة التأجير نفسها. فالتعدد الكبير في المنح والامتيازات والأنظمة القطاعية قد يكون أفرز تفاوتات لا تنسجم دائماً مع مبادئ العدالة والشفافية. لذلك فإن مراجعة هذه المنظومة يجب ألا تكون مجرد عملية حسابية، وإنما ينبغي أن تضع في الاعتبار العدالة الاجتماعية، وتحفيز الكفاءات، وضمان حقوق الأجراء، واستدامة الصناديق الاجتماعية.

وفي تقدير الهادي دحمان فان معالجة هذه الإشكالات تتطلب تجاوز منطق المفاوضات المتكررة والحلول الظرفية التي تعالج جانباً من المشكلة وتترك بقية المنظومة على حالها.

فالإصلاح الحقيقي يقتضي رؤية متكاملة تجمع بين التشريع والتصرف والرقمنة والاستخلاص، وتحدد بوضوح مسؤوليات مختلف المتدخلين.

كما أن الصناديق الاجتماعية تحتاج إلى منظومة معلومات دقيقة وموحدة تسمح لها بممارسة دورها الرقابي والاستخلاصي بكفاءة. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل تعدد المرجعيات وضعف التنسيق وتراكم الإجراءات الإدارية التقليدية.

لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء منظومة التأجير والحسابات الفردية على أسس جديدة، تبدأ بتوحيد المرجعيات والمعايير، وتمر بتبسيط الإجراءات ورقمنة المسارات والمعطيات، وتنتهي بإرساء منظومة استخلاص أكثر دقة وشفافية ونجاعة.

إن أزمة الاستخلاص ليست منفصلة عن أزمة التأجير، كما أن صعوبات الحسابات الفردية ليست مجرد خلل تقني. إنها حلقات مترابطة داخل منظومة واحدة تحتاج إلى إصلاح جذري. وكل تأخير في معالجة هذه الاختلالات يعني استمرار الكلفة المالية والإدارية والاجتماعية، في وقت تحتاج فيه الصناديق الاجتماعية إلى موارد أكثر استقراراً، ويحتاج فيه الأجير إلى منظومة تضمن حقوقه على أساس واضح ودقيق.

وعليه، فإن إصلاح منظومة التأجير لم يعد خياراً إدارياً، بل أصبح شرطاً أساسياً لإصلاح الاستخلاص وحماية الحقوق وضمان استدامة منظومة الضمان الاجتماعي. والرهان اليوم هو الانتقال من تعدد المرجعيات وتشتّت المعطيات إلى منظومة موحدة، رقمية، شفافة وعادلة، قادرة على مواكبة متطلبات الدولة الحديثة والتحولات المتسارعة في سوق الشغل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى