تونس اونيفارنيوز كان الاتحاد العام التونسي للشغل، لعقود طويلة، أكثر من مجرد منظمة نقابية تدافع عن مصالح الأجراء. فقد كان أحد مراكز الثقل الاجتماعي ورافدا من روافد التوازن السياسي في تونس، ولا سيما خلال عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، حين كانت المعارضة السياسية محدودة التأثير. وبفضل امتداده الشعبي وقدرته على التعبئة، اضطلع الاتحاد بدور مؤثر في إدارة التوازنات الوطنية، حتى في الفترات التي اتسمت علاقته بالسلطة بالتوتر والصدام، وراكم رصيدا كبيرا من الشرعية الاجتماعية والرمزية الوطنية.
غير أن المنظمة التي راكمت هذه المكانة التاريخية تبدو اليوم أمام واحدة من أصعب أزماتها منذ تأسيسها، ولم يعد السؤال مقتصرا على تجاوز أزمة القيادة، بل أصبح يتعلق بمستقبل المنظمة نفسها، وسط عالم شغل يشهد تحولات عميقة ومتسارعة.
المفارقة أن جانبا من الأزمة الراهنة يرتبط، في نظر عدد من المتابعين للشأن النقابي، بالتحول الذي طرأ على طبيعة الدور الذي أصبح الاتحاد يضطلع به في المجال العام، وبصعود تيارات ذات خلفيات يسارية وعروبية مسيّسة داخل قيادته. لهذه التيارات حضور وازن، وقد أتاح مؤتمر “طبرقة” في نهاية سنة 2011 تمثيلا مركزيا وازنا، بما أسهم في إعادة تشكيل توجهات المنظمة خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي.
ومع اتساع هذا الدور، أخذ الاتحاد يتجاوز، في عدد من المحطات، حدود الوظيفة النقابية التقليدية، مستندا إلى قوته التنظيمية وقدرته على التعبئة والضغط، ليصبح طرفا مؤثرا في إدارة الخلافات حول السياسات العامة وتوجيه مسار الحكومات. ولم يعد نفوذه مقتصرا على الدفاع عن المصالح المهنية والاجتماعية للأجراء، بل امتد أحيانا إلى ممارسة ضغط سياسي غير مباشر.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل كانت كل تلك المواجهات تخدم فعلا المصالح اليومية للشغالين، أم عكست في بعض الأحيان صراعات أيديولوجية وحسابات نفوذ داخل الدولة والمجتمع؟
من جائزة نوبل إلى تضخم الدور السياسي…
بلغ حضور الاتحاد ذروته الدولية عندما شارك، إلى جانب مكونات “رباعي الحوار الوطني”، في المسار الذي انتهى إلى حصول الرباعي على جائزة نوبل للسلام سنة 2015، تقديرا لدوره في إنقاذ الانتقال السياسي في تونس. وكانت تلك لحظة تاريخية كان يمكن أن تجعل الاتحاد قوة دفع نحو ترسيخ الحوار والمؤسسات.
غير أن هذه المكانة، في نظر منتقديه، لم تتحول إلى مسؤولية تاريخية بالقدر المطلوب، بقدر ما أسهمت مع الوقت في تعزيز النفوذ النقابي. فبدل استثمارها في ترسيخ الحوار والتوافق، أصبح الاتحاد أكثر تشددا في مواجهة الحكومات، في وقت كانت فيه الدولة تعاني ضعفا بنيويا والحكومات تتعاقب وسط أزمات متراكمة. وهكذا تحول الاتحاد، بالنسبة إلى خصومه، من وسيط بين المجتمع والدولة إلى طرف دائم في الصراع حول القرار والسياسات العامة.
أزمة القانون وأزمة الثقة….
ومن الملفات التي أضعفت صورة القيادة النقابية تعديل النظام الأساسي بما سمح لأعضاء من القيادة بالاستمرار في مواقعهم، بعد أن كان النظام يحدد العضوية بدورتين.
وقد تكون للتعديل مبرراته، لكن المشكلة لا تكمن في النص وحده، وإنما في الانطباع الذي خلفه. فعندما تتغير قواعد تحدد مدة البقاء في القيادة، يصبح من الطبيعي أن يطرح النقابيون سؤالا حول حدود السلطة ومدى احترام التداول الديمقراطي.
ومن هنا بدأت تتراكم أزمة الثقة بين جزء من القواعد والقيادة المركزية. فالمنظمة التي تطالب الدولة باحترام المؤسسات والقوانين، لا يمكن أن تتجاهل أن الديمقراطية النقابية تبدأ من داخل الاتحاد نفسه.
حين يستنزف التغوّل النقابي رصيد المنظمة…
الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في قرار حكومي واحد أو في الخلاف حول الاقتطاع الآلي لفائدة المنظمة. فالضغط المالي كشف هشاشة أعمق، فيما تزامن مع أزمة سياسية وأزمة ثقة داخلية، لتجد القيادة نفسها بين ضغط الحكومة والموارد والقواعد، وتراجع القدرة على المناورة.
كما أن الحديث المتزايد عن شبهات فساد أو سوء إدارة منذ 2011 يزيد من خطورة الوضع، مع ضرورة التمييز دائما بين الاتهامات وبين ما تثبته التحقيقات والأحكام والوثائق الرسمية.
لكن الأخطر هو أن الاتحاد يواجه أيضا أزمة مستقبل العمل النقابي نفسه. فالعولمة والتحول الرقمي والعمل عن بعد واقتصاد المنصات والذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل سوق العمل بسرعة، وتغير طبيعة المهن وعلاقات الشغل.
وفي هذا العالم الجديد، لن يكون التحدي الحقيقي للنقابات مواجهة الحكومة فقط، بل إعادة تعريف دورها: كيف تحمي العامل الذي قد تستبدله الآلة؟ وكيف تدافع عن عمال المنصات؟ وكيف تضمن ألا يتحول التحول التكنولوجي إلى أداة لتوسيع البطالة وعدم المساواة؟
وهنا تكمن المفارقة: بينما يتغير عالم الشغل بسرعة غير مسبوقة، لا يزال جزء من الخطاب النقابي عالقا في معارك سياسية وأيديولوجية من الماضي.
مسؤولية التيارات الأيديولوجية…
الأزمة الحالية نتاج تراكمات سياسية واقتصادية وتنظيمية شاركت فيها أطراف متعددة، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية التيارات التي امتلكت نفوذا واسعا داخل القيادة المركزية خلال السنوات الماضية.
فالتيارات ذات الخلفيات اليسارية والعروبية، عندما امتلكت موقعا متقدما في قيادة المنظمة، لم تكتف بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية وفق مقاربة نقابية، بل دفعت في محطات عديدة نحو توسيع الدور العام للاتحاد، وجعلته طرفا في صراعات تتجاوز الوظيفة النقابية المباشرة.
وبذلك حدث تحول في المعادلة: بدل أن تكون السياسة في خدمة الدفاع عن مصالح الشغالين، أصبح الدفاع عن مصالح الشغالين يستخدم، في بعض المحطات، عنوانا لصراع سياسي أوسع.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح الأمين العام السابق للاتحاد، حسين العباسي، أهمية خاصة عند حديثه عن مرحلة حكومة الترويكا (2012–2013)، إذ قال في حديث متلفز: “إننا لم نتركهم يشعرون بالراحة يوما”، في إشارة إلى كثافة التحركات والاحتجاجات النقابية خلال تلك المرحلة. ويطرح هذا التصريح تساؤلات حول مدى بقاء تلك التحركات ضمن حدود المطالب الاجتماعية والمهنية، وحول إمكانية تداخل الفعل النقابي مع الصراع السياسي والحزبي الذي كان محتدما آنذاك.
الاتحاد بين استعادة الدور ومواجهة المستقبل…
ربما تكون الأزمة التي ورثتها القيادة الحالية، رغم قسوتها، فرصة لإعادة بناء الاتحاد على أسس مختلفة عما كان عليه طوال السنوات الخمس عشرة الماضية. فليس من مصلحة أي طرف إضعاف المنظمة أو إخراجها من الحياة العامة، إذ البلاد تحتاج إلى اتحاد شغل قوي ومستقل وديمقراطي، قادر على الدفاع عن منظوريه وتحقيق مكاسب حقيقية لهم، والأهم من ذلك، قادر على التكيف مع التحولات الكبرى التي يشهدها عالم العمل.
كما تحتاج تونس إلى اتحاد يكون قوة اقتراح في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والوطنية، وشريكا في صياغة الحلول، لا منظمة تستنزف قوتها في إرباك الحكومات، ولا سلطة موازية تنازع مؤسسات الدولة أدوارها، ولا فضاء تهيمن عليه الخلفيات الأيديولوجية والحسابات الحزبية.
لقد وصلت المركزية النقابية اليوم إلى لحظة مفصلية: فإما أن تدرك أن سنوات الاستقطاب والصراع السياسي استنزفت جانبا مهما من رصيدها، فتعمل على إعادة بناء علاقتها بقواعدها وبالدولة وبالمجتمع، وإما أن تواصل إدارة أزمتها بعقلية الصراع القديم. وفي الحالة الثانية، لن يكون الخطر على قيادة بعينها، بل على المنظمة برمتها.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز الأزمة الراهنة، بل في استعادة الاتحاد لقدرته على التجدد ومواكبة التحولات. فالمعركة النقابية القادمة لن تكون محصورة في الأجور والاتفاقيات، بل ستمتد إلى سؤال أعمق: ما مكانة العامل، وما وظيفة النقابة، في عالم تعيد العولمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تشكيله؟
الكاتب والنقابي السابق
محمد العماري




