التوترات الأمريكية الإيرانية تعصف بتوقعات سوق الطاقة

تونس -أونيفار نيوز –أعادت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران صياغة مشهد الطاقة العالمي، واضعةً وكالة الطاقة الدولية في موقف حذر تجاه توقعاتها المستقبلية. فبعد فترة وجيزة من الاستقرار النسبي، حذرت الوكالة في تقريرها الشهري الصادر يوم الجمعة من أن تجدد المواجهات المسلحة بين واشنطن وطهران قد يقوض تماماً سيناريو تحول سوق النفط العالمية إلى فائض كبير خلال عام 2027. وجاء هذا التحذير القاتم بعد أن تسببت جولة التصعيد الأخيرة في إعادة تعطيل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، مما ألقى بظلال كثيفة من الشك والغموض على استدامة الإمدادات خلال العام المقبل.
وكانت الأسواق قد تنفست الصعداء نسبياً خلال شهر جوان الماضي، حين أتاح اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار إعادة فتح المضيق جزئياً، وهو ما انعكس سريعاً على الأرقام؛ حيث أظهرت بيانات الوكالة ارتفاع إمدادات النفط العالمية بمقدار 4.1 ملايين برميل يومياً خلال ذلك الشهر. ورغم هذا التحسن المؤقت، إلا أن حجم المعروض ظل أقل بنحو 9.4 ملايين برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، مما يؤكد عمق الفجوة التي خلفتها الأزمة. ويُعزى هذا الحذر الشديد إلى أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز خلال ذروة الصراع تسبب في حبس تدفقات نفطية هائلة وصلت في بعض الفترات إلى نحو 14 مليون برميل يومياً، وهو ما دفع وكالة الطاقة الدولية إلى تصنيف هذا الاضطراب كأكبر صدمة إمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية على الإطلاق، متجاوزاً أزمات السبعينيات الشهيرة.
وعلى الرغم من أن خطط الوكالة الأساسية كانت تشير إلى نمو قوي في الإمدادات العالمية بنحو 7.5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027 — وهو الرقم الذي كان كفيلاً بإغراق السوق في فائض مريح وخفض الأسعار — إلا أن هذا التفاؤل بات مشروطاً برهانات جيوسياسية معقدة؛ أبرزها تأمين العبور الآمن والمنتظم للناقلات عبر هرمز، واستعادة الدول المنتجة لقدراتها التصديرية الكاملة. وبحسب تقرير رويترز، فإن التطورات الأخيرة تثبت مدى هشاشة التوازن في السوق العالمية، وتؤكد أن حسابات العرض والطلب تظل رهينة لأمن الممرات المائية الحيوية.
وفي المقابل، أحدثت هذه الأزمة المتفاقمة في الشرق الأوسط هزة ارتدادية في سياسات الطاقة الأوروبية، دافعة بملف “النفط القطبي” إلى واجهة المشهد الإستراتيجي كبديل اضطراري. وفي تحول لافت في المواقف، دعا المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر بشكل عاجل في مواقفه الصارمة الرافضة للتنقيب الجديد عن النفط والغاز في منطقة القطب الشمالي.
وخلال تصريحات صحفية أدلى بها في بروكسل عقب اجتماع رفيع المستوى مع وزير المالية النرويجي ينس ستولتنبرغ، شدد بيرول على أن أمن الطاقة الأوروبي بات يعتمد بشكل مصيري على الإمدادات القادمة من النرويج، مستخدماً عبارة بليغة نقلتها وكالة بلومبيرغ حين قال إن العالم اليوم “يحتاج إلى كل قطرة نفط من النرويج”.
هذا التوجه الجديد يمنح النرويج — وهي أبرز موردي الطاقة لأوروبا رغم عدم انضمامها للتكتل — قوة دفع إضافية لزحزحة الموقف الأوروبي التقليدي، تزامناً مع استعداد بروكسل لتحديث سياستها الخاصة بالقطب الشمالي خلال العام الجاري. وكانت السياسة الأوروبية السابقة، المقرة في أكتوبر 2021، تتبنى خطاً بيئياً متشدداً يدعو إلى إبقاء الفحم والغاز والنفط مدفوناً في باطن الأرض (بما في ذلك الدائرة القطبية) تسريعاً لعملية التحول الأخضر ومكافحة التغير المناخي. إلا أن الواقع الجيوسياسي الجديد واختناق الإمدادات أجبرا المفوضية الأوروبية على إطلاق مشاورات عامة شاملة لإعادة تقييم هذه الاستراتيجية، معترفة بأن التحولات الاقتصادية والأمنية الأخيرة تستدعي صياغة سياسات أكثر مرونة تتناسب مع تحديات العصر. ومن جانبه، أكد الوزير النرويجي ستولتنبرغ أن بلاده لا تغفل المخاوف البيئية الحقيقية، لكنه شدد على أن “الرفض المسبق والمطلق” لاستكشاف الموارد في القطب الشمالي يضر بالمصالح الاقتصادية لبلاده، ولا يخدم بالدرجة الأولى متطلبات أمن الطاقة العالمي الذي بات يمر بأخطر منعطفاته.



