أخبار مهمة

القرهمانة المخبل في كبة”: مونودراما ساخرة تلامس أوجاع الواقع

تونس -أونيفار نيوز –شهد المسرح الأثري بقرطاج نجاحاً جماهيرياً وفنياً لافتاً خلال فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، وذلك من خلال عرض المونودراما الكوميدية الاجتماعية “القرهمانة المخبل في كبة”، نص وإخراج وبطولة الفنان معز التومي. ويأتي هذا العمل ليتطرق في قالب ساخر ينقد العديد من الظواهر الاجتماعية ويمس أوجاع المواطن التونسي، مكملاً مشروعاً فنياً بدأه التومي منذ نحو 14 عاماً بشخصية العجوز التي قدمها سابقاً في مسرحية “فركة صابون”، ليغوص بها هذه المرة في مساحات أكثر عمقاً تُسائل التحولات المجتمعية.

​وتعود الفكرة العميقة للعمل إلى تجربة إنسانية مؤثرة عاشها الفنان مع والدته المصابة بمرض الزهايمر؛ حيث كتب المسرحية كفعل انتقام من النسيان ولتكون شواهد وذاكرة حية للمرض وتفاصيله.

ومن هذا المنطلق، تخترع شخصية “القرهمانة” -المرأة المتقدمة في السن والعارفة بمتاهات الحياة- داخل فضاء محدد، شخصيات متخيلة ذات تركيبات جسدية ونفسية معقدة لتهرب إليها، مكرسة التيمة الكبرى للعمل وهي الدفاع عن الخيال والحق في الاختيار. وقد تجسد ذلك عبر سينوغرافيا ذكية وبسيطة اعتمدت على التقنيات البصرية “فيديو مابينغ” وأثاث يدني المتفرج من أجواء الغرفة، كإحالة رمزية للغمامة الذهنية والمتناقضات التي يعانيها مريض الزهايمر.

​وتبوح “القرهمانة” عبر المونولوغ بأوجاعها الذاتية وحالة العزلة، مستحضرةً لحظات المرض، وتوتر العلاقات الزوجية، والوحدة عقب تخلي الأبناء، لتطرح تساؤلات عميقة حول أسباب فشل الزواج والجمود العاطفي. كما ينقد التومي واقع الإدارة والمنظومة العمومية بتوظيف ساخر لظواهر يومية مثل ثقافة “الريزو طايح” واستهتار بعض الموظفين، دون السقوط في المباشراتية. وتجلت قوة العرض في التفاعل المباشر والتلقائي مع الجمهور الذي صار جزءاً من الحدث؛ حيث شهد العرض حواراً عفوي مع الممثلة سناء يوسف الحاضرة في المدارج، مُعيداً للأذهان ثنائيتهما الشهيرة في مسلسل “الليالي البيض”.

​وقد حظي العرض بحضور جمهور غفير إلى جانب عدد من الفنانين مثل صابر الرباعي، ووجيهة الجندوبي، وعزيزة بولبيار. وشكّلت هذه السهرة المحطة الأخيرة لشخصية “القرهمانة” على الخشبة؛ حيث أعلن معز التومي خلال الندوة الصحفية إيساد الستار عن المسيرة المسرحية لهذه الشخصية لأسباب صحية وطاقة الجسد الإجهادية التي تتطلبها، مؤكداً أن قرطاج هو المكان الأمثل لإنهائها. وبذلك، تختتم “القرهمانة” رحلتها الجسدية لتعود إلى الورق، مفسحة المجال لصانعها لمواصلة الحلم بكتابة شخصيات جديدة تُخرج الإنسان من ظلمة النسيان إلى نور المسرح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى