التعليم في تونس: “إصلاحات” متعاقبة… وأزمة تتعمق….

أزمة التعليم هي أزمة غياب مشروع وطني للتعليم….
تونس اونيفارنيوز مع كل إعلان عن نتائج الامتحانات الوطنية، يتجدد النقاش حول واقع التعليم في تونس. وسرعان ما ينشغل الرأي العام بنسبة النجاح في البكالوريا أو بمعدلات المتفوقين، بينما تغيب الأسئلة الأكثر أهمية: لماذا تراجعت المدرسة التونسية؟ ولماذا لم تحقق الإصلاحات المتتالية أهدافها رغم مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال؟
في قراءته لهذه الاشكاليات اعتبر الاستاذ الحسين بوشيبة ان التعليم، منذ بناء الدولة الوطنية، أحد أهم أدوات التنمية والارتقاء الاجتماعي. فمن المدرسة العمومية خرجت أجيال من الإطارات والمهندسين والأطباء والقضاة والأساتذة الذين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة.
غير أن هذا الدور بدأ يتراجع تدريجياً في تقديره حتى أصبحت المنظومة التربوية اليوم تواجه أزمة مركبة تمس الجودة والإنصاف والحوكمة والقدرة على إعداد المواطن لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.
إصلاحات كثيرة… ولكن دون تقييم حقيقي…
منذ الاستقلال، شهدت تونس عدة إصلاحات كبرى.
كان أولها إصلاح سنة 1958 الذي هدف إلى توحيد المنظومة التعليمية، ثم إصلاح سنة 1967 الذي أعاد هيكلة التعليم الثانوي وأرسى نظام الجذع المشترك، ثم القانون التوجيهي لسنة 1991 الذي حمل رؤية جديدة للتعليم في سياق سياسي اتسم بصراعات إيديولوجية حادة.
ورغم اختلاف السياقات، فإن هذه الإصلاحات تشترك في ثلاث سمات أساسية:
أنها ارتبطت غالباً بخيارات السلطة السياسية أكثر من استنادها إلى تقييم علمي مستقل.
أنها لم تخضع إلى تقييم دوري يقيس نتائجها الحقيقية.
كانت تبدأ مع كل وزير جديد، وكأن المنظومة تعيد الانطلاق من الصفر.
وهكذا أصبحت المدرسة التونسية حقل تجارب للإصلاحات المتعاقبة، بينما ظل الإصلاح الحقيقي مؤجلاً.
مؤشرات تدق ناقوس الخطر…
تكشف الأرقام الرسمية والدراسات الوطنية والدولية عن أزمة عميقة.
فما يزال آلاف التلاميذ يغادرون مقاعد الدراسة سنوياً، بينما أظهرت نتائج التعداد العام للسكان لسنة 2024 أن نسبة الأطفال خارج المنظومة التعليمية بلغت 4.5% من الفئة العمرية بين 6 و16 سنة.
كما تتراجع الجامعات التونسية في التصنيفات الدولية، في حين تستمر بطالة أصحاب الشهادات العليا، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين التكوين الجامعي وحاجيات الاقتصاد الوطني.
وتتفاقم الفوارق بين المدارس الحضرية والريفية، وبين المؤسسات المجهزة وتلك التي تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية، بما يهدد مبدأ تكافئ الفرص الذي يفترض أن تقوم عليه المدرسة العمومية.
أزمة تتجاوز المدرسة…
ليست الأزمة أزمة مدرس أو تلميذ فقط، بل هي أزمة منظومة كاملة.
فالمدرس يعمل في ظروف مادية واجتماعية صعبة، والمؤسسة التربوية تعاني من نقص التجهيزات والصيانة، والمناهج لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين، بينما يتجه العالم نحو تنمية التفكير النقدي والابتكار والمهارات الرقمية.
وفي المقابل، تحولت الدروس الخصوصية إلى تعليم موازٍ، وأصبحت عبئاً اقتصادياً يرهق الأسر ويكرس التفاوت الاجتماعي.
اخطر من ذلك تعرف المؤسسات التربوية انتشاراً للعنف المدرسي وتعاطي بعض التلاميذ للتدخين والمخدرات، وهو ما يكشف أن المدرسة لم تعد فضاءً للتعليم فقط، بل أصبحت تواجه تحديات اجتماعية وثقافية متشابكة.
الثابت ان هناك قلاث قضايا لا يمكن تأجيلها
أولاً: السياسة اللغوية:
لا يزال تدريس العلوم في تونس يقوم على ازدواجية لغوية أربكت المتعلم. فالانتقال المفاجئ من العربية إلى الفرنسية في تدريس المواد العلمية يمثل أحد أسباب ضعف التحصيل، ويستوجب حواراً وطنياً هادئاً يحدد الخيارات اللغوية على أسس علمية لا إيديولوجية.
ثانياً: نزيف الكفاءات:
تواصل تونس تكوين آلاف المتفوقين الذين يغادر عدد كبير منهم إلى الخارج لاستكمال الدراسة أو للعمل.
ولا يمكن لوم الطالب الذي يبحث عن أفضل الفرص، لكن من حق الدولة أيضاً أن تضع سياسات تجعل هذه الكفاءات تساهم في التنمية الوطنية، سواء عبر تحسين ظروف البحث العلمي أو توفير بيئة اقتصادية جاذبة
ثالثاً العلاقة بين التعليم وسوق الشغل:
ما تزال الجامعة تخرج اختصاصات لا تجد طلباً في سوق العمل، في مقابل نقص واضح في الاختصاصات التقنية والمهن الجديدة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة.وهنا يكمن أحد أكبر تحديات الإصلاح.
أي إصلاح تحتاجه تونس؟
لم تعد تونس بحاجة إلى إصلاح جديد يضاف إلى قائمة الإصلاحات السابقة، بل إلى مشروع وطني للتعليم يمتد لعشرين سنة على الأقل، ويحظى بتوافق سياسي ومجتمعي واسع، ويظل مستقلاً عن تغير الحكومات والوزراء.
ويفترض هذا المشروع:
إنشاء منظومة مستقلة ودورية لتقييم جودة التعليم.
مراجعة المناهج على أساس الكفاءات والتفكير النقدي لا الحفظ.
إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية باعتبارها ركيزة العدالة الاجتماعية.
تحسين أوضاع المدرسين مادياً ومهنياً.
رقمنة التعليم وتعميم الثقافة الرقمية.
إصلاح السياسة اللغوية على أسس علمية.
ربط التعليم بالبحث العلمي وبالاقتصاد الوطني.
دعم التكوين المهني ليصبح مساراً موازياً ومتكاملاً مع التعليم العام.
تعزيز استقلالية الجامعات وتشجيع البحث والابتكار.
اعتماد حوكمة تشاركية تجعل الأسرة والمجتمع المدني والجامعة شركاء في رسم السياسات التعليمية.
ماذا فعلت الدول التي نجحت؟
لا توجد وصفة واحدة لإصلاح التعليم، غير أن التجارب الدولية الناجحة تكشف عن وجود مبادئ مشتركة قادت إلى بناء أنظمة تعليمية عالية الجودة، من أبرزها الاستقرار في السياسات التعليمية، والرهان على المعلم، وربط المدرسة بمشروع التنمية الوطنية.
في فنلندا، التي تتصدر منذ سنوات مؤشرات جودة التعليم، لم يكن النجاح نتيجة الإكثار من الامتحانات أو إثقال التلاميذ بالمناهج، بل جاء من الاستثمار في المعلم باعتباره حجر الزاوية في العملية التعليمية. ويخضع المدرسون لتكوين جامعي رفيع المستوى، ويتمتعون باستقلالية مهنية وثقة كبيرة، في حين يقتصر التقييم على قياس الكفاءات الحقيقية بدل التركيز على الامتحانات الموحدة.
أما سنغافورة، فقد اعتبرت التعليم منذ استقلالها المورد الاستراتيجي الأول للدولة. لذلك استثمرت بكثافة في تكوين المعلمين، وربطت المناهج باحتياجات الاقتصاد الوطني، مع مراجعتها بصورة دورية لمواكبة الثورة التكنولوجية. ولم تنظر إلى التعليم باعتباره خدمة اجتماعية فحسب، بل بوصفه أداة لبناء القدرة التنافسية للدولة.
وفي كوريا الجنوبية، جاء التحول نتيجة رؤية وطنية بعيدة المدى استمرت لعقود، جعلت التعليم أولوية قصوى في السياسات العمومية. فقد وُجِّهت استثمارات كبيرة نحو التعليم والبحث العلمي والابتكار، وربطت الجامعات بالصناعة والاقتصاد، مما أسهم في تحويل البلاد من دولة محدودة الموارد في ستينيات القرن الماضي إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية في العالم.
أما الدرس المشترك بين هذه التجارب، فهو أن الإصلاح لم يكن قرارًا ظرفيًا أو مشروع وزير، بل سياسة دولة استمرت لسنوات طويلة، قامت على الاستقرار التشريعي، والاعتماد على الخبرة العلمية، وإشراك مختلف الفاعلين، وتوفير الموارد اللازمة، مع اعتبار التعليم استثمارًا في المستقبل لا مجرد بند من بنود الإنفاق العمومي.
وهنا يبرز الذي يفرض نفسه على تونس: هل تحتاج البلاد إلى إصلاح جديد يضاف إلى سلسلة الإصلاحات السابقة، أم إلى عقد وطني جديد للتعليم يضع المدرسة والجامعة في قلب مشروع التنمية، ويضمن استقرار السياسات التربوية بعيدًا عن تغير الحكومات والوزراء والتجاذبات الإيديولوجية؟ فهذا هو الدرس الأبرز الذي تقدمه التجارب الدولية الناجحة.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق “إصلاح التعليم” إلى منطق “بناء المشروع الوطني للتعليم”؛ فالأمم لا تنهض بثرواتها الطبيعية فقط، وإنما بما تنتجه مدارسها وجامعاتها من معرفة وكفاءات وقيم.
إن أزمة التعليم في تونس ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة تراكمات طويلة من الإصلاحات الجزئية والقرارات الظرفية وغياب الرؤية الاستراتيجية.
فالتعليم ليس قطاعاً من بين القطاعات، بل هو القاطرة التي تجر بقية القطاعات. ولا يمكن الحديث عن اقتصاد تنافسي، أو ديمقراطية مستقرة، أو عدالة اجتماعية، أو سيادة وطنية، في ظل مدرسة تفقد تدريجياً قدرتها على تكوين الإنسان الحر والمواطن الكفء.
فهل نريد إصلاحًا جديدًا يضاف إلى أرشيف الإصلاحات السابقة، أم نريد لأول مرة مشروعًا وطنيًا يجعل التعليم قضية دولة لا قضية حكومة؟



