تزييف التاريخ على ويكيبيديا.. من يحمي الذاكرة التونسية؟

تونس -أونيفار نيوز –لم تعد معركة حماية التراث التونسي تُخاض فقط داخل المتاحف أو بين صفحات الكتب التاريخية، بل انتقلت اليوم إلى الفضاء الرقمي، وتحديدًا إلى منصات التأثير العالمي مثل “ويكيبيديا”، التي أصبحت بالنسبة إلى ملايين المستخدمين المرجع الأول للمعلومة والتاريخ والهوية الثقافية.
غير أنّ ما يحدث منذ سنوات يثير قلقًا متزايدًا لدى التونسيين، في ظل تصاعد محاولات ممنهجة لتزييف الحقائق التاريخية والسطو على التراث التونسي المادي واللامادي، عبر تغيير محتوى المقالات ونسب شخصيات ومعالم وموروثات تونسية عريقة إلى دول أخرى.
ومنذ فترة، تشهد منصة “ويكيبيديا” ما يشبه “الحرب الباردة الرقمية” ضد الهوية التونسية، وفق دراسة أنجزها الناشط والمدوّن سنجق شوقي، حيث يتم رصد حملات متكررة تستهدف تشويه الحقائق التاريخية والتلاعب بالمحتوى المتعلق بالتراث الوطني، سواء المادي أو اللامادي. ولم يعد الأمر مجرّد اختلاف في وجهات النظر أو اجتهادات فردية، بل بات يعتمد، في كثير من الأحيان، على استغلال ثغرات تقنية وإدارية داخل المنصة العالمية.
ويكشف المصدر نفسه أنّ عمليات السطو الرقمي على التراث التونسي تتم عبر ما يُعرف بـ”حروب التحرير” (Edit Wars)، إذ يعتمد القائمون على هذه الحملات سياسة “النفس الطويل”، من خلال إجراء تعديلات متكررة على المقالات التاريخية وحذف المصادر التي تؤكد تونسية المعالم أو الشخصيات أو المنتجات التراثية. ومع تزايد عدد المحررين المنخرطين في هذه العمليات، تُفرض روايات بديلة ومغلوطة مع مرور الوقت، خاصة في ظل غياب تفاعل مضاد من الجانب التونسي.
ومن أبرز الوسائل المعتمدة في هذا التزييف، إدراج روابط لمقالات حديثة أو كتب تفتقر إلى الدقة التاريخية، تُنسب فيها عناصر من التراث التونسي إلى دول أخرى، ثم تُستخدم هذه الروابط كمراجع “موثوقة” داخل ويكيبيديا، بما يساهم في تضليل المشرفين والخوارزميات وإضفاء شرعية زائفة على المعلومات المغلوطة.
والأخطر من ذلك أنّ هذه الحملات تستغل ضعف الرقابة على النسخ الأجنبية، خاصة الفرنسية والإنجليزية، لنشر هذه المغالطات، مستفيدة من محدودية المتابعة التونسية مقارنة بالنسخة العربية. وهو ما يسمح بانتشار المعلومات المضللة على نطاق عالمي، لتتحول مع الوقت إلى “حقائق” متداولة في محركات البحث والمواقع الدولية.
وفي أسلوب يشبه عمل “الجيوش الإلكترونية”، تعتمد بعض الجهات على مجموعات مغلقة تنسّق فيما بينها لتنفيذ هجمات تعديل جماعية على صفحات محددة في توقيت واحد، مثل مقالات الكسكسي، ودقلة النور، والبرنس، والشخصيات القرطاجنية أو النوميدية. وفي لحظات، تتحول “دقلة النور”، المسجلة كعلامة تونسية، إلى منتج منسوب لدولة أخرى، أو يتم تغيير الانتماء التاريخي لنوميديا بطريقة تثير الجدل والالتباس.
ورغم أن سجل التعديلات يظل متاحًا ويمكن للمتخصصين تتبعه، فإن استرجاع المحتوى الأصلي يصبح صعبًا أمام العمل الجماعي المنظم والمتواصل.
الثابت اليوم أنّ تونس تخوض معركة حقيقية من أجل الذاكرة الرقمية. فحماية التراث الوطني لم تعد تقتصر على الكتب والمتاحف والمؤسسات الثقافية التقليدية، بل أصبحت معركة توثيق رقمي بامتياز. وبالتالي، فإن السكوت عن هذه الممارسات يفتح الباب أمام إعادة كتابة التاريخ داخل الفضاء الرقمي، وهو الفضاء الذي تعتمد عليه الأجيال الجديدة ومحركات البحث العالمية بوصفه مصدرًا أول للمعرفة.
وفي المقابل، يلاحظ كثيرون غيابًا واضحًا للمؤسسات الثقافية التونسية عن هذه المعركة الرقمية، سواء من خلال ضعف الحضور الرسمي على المنصات العالمية أو غياب فرق متخصصة في التوثيق والمتابعة والتصحيح.
وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الصمت، ولصالح من يُترك التراث التونسي عرضة للتزييف والسطو دون تحرك فعلي بالوسائل القانونية والرقمية المناسبة.
إن الدفاع عن الهوية الوطنية اليوم لا يكون فقط عبر الخطابات والشعارات، بل أيضًا من خلال حضور فاعل في المنصات الرقمية، وتكوين محررين وباحثين قادرين على حماية الرواية التاريخية التونسية وتوثيقها بمصادر علمية دقيقة، حتى لا يُترك تاريخ تونس وتراثها عرضة لإعادة الكتابة والتشويه.
هاجر واسماء



