عبد اللطيف الفراتي يكتب لـ”أونيفار نيوز”: الخطر يتهدد الوحدة المغاربية…..وحقيقة امتداد الوطن العربي…

تونس -أونيفار نيوز- يعلن فرحات مهني، زعيم حركة انفصالية منفيّ في فرنسا، عن “استقلال القبائل” يوم 14 ديسمبر 2025، أي بعد أسبوع بالضبط. ومادام الرجل يرفض اليوم الاعتراف بجزائريته ويعرِّف نفسه أساسًا كـ”قبائلي”، فإن الإعلان لا يمكن الاستخفاف به، خلافًا لما لمسته لدى أغلب من حادثتهم في هذا الموضوع.فرحات مهني لا يتكلم من فراغ؛ فهو يتصدر منظمة قائمة منذ عشرات السنين، تعود جذورها إلى ما بعد استقلال الجزائر، حين رفض الحكم المنقلب على “الشرعية الثورية” منذ 1962 – والمتمثل في بن بلة ثم بومدين – الاعتراف بالقومية الأمازيغية، رغم وزن الأمازيغ في ثورة التحرير منذ اندلاعها في 1 نوفمبر 1954، ورغم رفضه اعتبار الأمازيغية لغة وطنية، فضلًا عن أن تكون “قومية” كما يقول أصحابها.ألم يكن حسين آيت أحمد، أحد الزعماء الخمسة المختطفين من الطائرة المتجهة من المغرب إلى تونس في أول عملية قرصنة جوية في المنطقة، من أبرز قادة الثورة المعترف بهم، وهو يعلن قبائليته بصوت عال وواضح؟فرحات مهني ليس اسمًا مجهولًا؛ فقد أسّس مع فريق من أمازيغ الجزائر حركة سميت أولًا:
Mouvement d’autonomie de la Kabylie
أي “حركة الحكم الذاتي للقبائل”، قبل أن تتحول سنة 2013، في تطور تصعيدي واضح، إلى:
Mouvement d’autodétermination de la Kabylieاي “حركة تقرير المصير للقبائل”.وكتبنا التسميتين بالفرنسية لإبراز الفارق اللغوي والسياسي بين “الحكم الذاتي” و”تقرير المصير”.قد يكون إعلان 14 ديسمبر “قنبلة فشفاش” كما نقول في لهجتنا، فيمرّ اليوم دون أن يحدث شيء عمليّ على الأرض. لكن ما تراهن عليه الحركة هو الاعتراف الخارجي، خصوصًا من دول غربية ودول أخرى ترغب في تذكير الجزائر بموقفها المتشدد من مبدأ “تقرير المصير للصحراء الغربية”، التي أصبحت منذ 31 أكتوبر تُسمّى رسميًا “الصحراء المغربية”، بفضل قرار صادر عن مجلس الأمن في ذلك التاريخ. هذا القرار عزز مساحة الدولة المغربية بحوالي 70 بالمائة، ورفع من ثروتها المعترف بها دوليًا، في إطار أممي لا فكاك منه، سواء اعترفت الجزائر به أو لم تعترف، بينما تعوّد المجتمع الدولي أن يتعامل مع القرارات الأممية باعتبارها مرجعًا أساسيا.
زعماء التوجه الاستقلالي القبائلي يسألون ما دامت الجزائر تنادي بحق تقرير المصير لشعب صحراوي لا تنكر أنه ليس من ترابها الوطني، فلماذا ترفض حق تقرير المصير لمواطنين يعيشون تحت سلطتها، ويسعون لإقامة دولة يعتبرونها متميزة عن “الجزائر الرسمية”بعد أن رفضت هذه الأخيرة الاعتراف لهم بهويتهم الخاصة، تاريخًا ولغةً وتقاليد؟ويؤكد هؤلاء أنهم يطالبون بتقرير المصير للمناطق التي يشكل فيها الأمازيغ أغلبية سكانية، دون المناطق الأخرى في الجزائر التي يتواجد فيها الأمازيغ بأعداد معتبرة لكن دون أغلبية عددية.
وتشير الحركة الأمازيغية – التي تلقى صدى لدى عدد من المثقفين الجزائريين البارزين، وفي باريس بالذات، وكذلك في المغرب وبعض الدول الأخرى – إلى أن عدد الأمازيغ في “مناطقهم التاريخية” داخل الجزائر يبلغ حوالي 3,5 مليون نسمة، بينما يصل مجموع الأمازيغ في الجزائر، بما في ذلك أمازيغ المناطق الأخرى والشتات (وخاصة في فرنسا)، إلى نحو 9 ملايين، وفق نفس المصادر.
وتفيد الإحصائيات الرسمية بأن عدد سكان الجزائر يبلغ حوالى 47 مليون نسمة، أي إن الدولة التي ينوي فرحات مهني إعلانها – إن قامت فعلا – لن تتجاوز نسبة سكانها 8,5 بالمائة من مجموع الجزائريين.
وبحسب الخريطة التي يرسمها دعاة “دولة القبائلستان”، فإنها تقع في الجهة الغربية من الجزائر، مستندة جغرافيًا إلى الحدود مع المغرب. وهنا يبرز سؤال استراتيجي: لو تحقق هذا المشروع، ما الذي سيحدث للامتداد الجغرافي المتواصل للعالم العربي من جهة الغرب الجزائري نحو الشرق الشمالي المغربي؟ وهل سنكون أمام انقطاع جغرافي رمزي بين جناحين من أجنحة الوطن العربي؟ويُطرح أيضًا سؤال آخر: إذا ما قُدّر للدولة الجديدة أن تقوم، أو على الأقل أن تعلن استقلالها من جانب واحد، فهل ستنضم إلى جامعة الدول العربية؟ وهل سنكون أمام سابقة انضمام دولة ليست “عربية خالصة” بالمعنى القومي التقليدي إلى الجامعة، بينما لا تزال دول مثل التشاد – التي يتحدث أغلب سكانها اللغة العربية – خارج عضويتها؟
الفرق أن “الدولة القبائلية” المفترضة ستكون في قلب المجال الجغرافي العربي، لا في أطرافه، كما هو حال بعض الدول الأعضاء اليوم.في كل الأحوال، يبقى تاريخ 14 ديسمبر 2025 موعدًا رمزيًا، وقد يتحول، إن توفرت له الظروف، إلى محطة مفصلية تهدد ليس فقط الوحدة الوطنية الجزائرية، بل تضع أيضًا الوحدة المغاربية، ومفهوم الامتداد المتصل للوطن العربي، أمام اختبار تاريخي جديد.



