في ذكرى ميلاده : بورقيبة… الكاريزما التي صنعت خطابًا وبنت دولة…..

من خطاب بورقيبة إلى البلاغات الرسمية… السياسة فقدت روحها…..
تونس اونيفارنيوز في ذكرى ميلاده، نستذكر بورقيبة فنستحضر قدرته المبهرة على الاتصال السياسي. كان داهية في النفاذ إلى عقول التوانسة عندما يتحدث. لم تكن قوته الاتصالية مجرد موهبة في الخطابة، بل جزءً أساسيا من مشروعه في بناء الدولة الوطنية ورسم مستقبلها هكذا تحدث الصحفي سعيد الخزامي عن بورقيبة.
كانت قدرته فائقة في تحويل الخطاب إلى وسيلة تعبئة وإقناع وحماس، جامعا بين الصدقية والمنطق والعاطفة. وكنّا نرى شخصية بورقيبة الكاريزمية جزءً من رسالته الاتصالية على منصة الخطابة. يلون نبرة صوته، ويصنع فترات صمته، ويقلّب نظراته، ويكثر من حركاته، ويستحضر الفدلكة، ويوزع دمعاته وابتساماته كما لو أنّه على خشبة مسرح.
أمّا لغة الخطاب فلا نخبوية معقدة، ولا شعبوية فاضية، بل مزيج مدروس من الدارجة والفصحى يبني الجملة على الأمثلة، والحكايات، والأسئلة، والاستعارة، ليحكي الوقائع، ويشرح القرارات، وينقد الخصوم بما هو أقرب إلى قصّة منها إلى بيان سياسي تخاطب في الناس العقل والعاطفة وتسهل عليهم الاستيعاب.
ندرك أن زمننا هذا غير زمن بورقيبة الذي كان قد جعل تفوقه الاتصالي مرتبطا بسيطرة الدولة على وسائل الإعلام، وبلا تفاعل تقريبا ولا تبادل.
لكن ندرك أيضا أن تجربة بورقيبة لم تفقد قيمتها وما تزال تنفع في هذه المرحلة المضببة عندنا إعلاميا، ومازالت تقدم درسا في فن الإقناع، وبناء السرد الخطابي لحكام هذا العصر، رغم أن الأشخاص غير الأشخاص.
لا قدرة لرئيس عندنا على أن يتقدم بالوطن إذا لم يشرح ولم يقنع.
ستنقصه الآليات النفسية والاتصالية اللاّزمة للقرب من شعبه إذا أنكر اللقاءات الصحفية، وغلّب التواصل عبر البلاغات والخطابات الرسمية، واعتمد على الرسائل والخطب المسجلة، وقلّل من التفاعل المباشر مع الإعلام والجمهور، وغالى في الميل إلى صورة الرئيس المحافظ الملتزم بالقانون، وركّز على الوقار والرسميات، وأهمل الابتسامة والقرب الشخصي، وجعل لغته صعبة، لغة قانون ومفاهيم مجردة وثقافة القديم.
صعب أن ينجح مشروع وطني لرئيس عندنا مِن دون فاعلية اتصالية سياسية تستحذم لغة يفهمها جميع المواطنين، وتخاطب العقل والعاطفة، وتحوّل القضايا المعقدة إلى أفكار واضحة، ومِن دون أن يحضر في إعلام يسأل، وبين جمهور يتفاعل، تلاؤما مع عصر الألوان والشبكات الاجتماعية.



