لماذا يجب تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً؟

حظر الأحزاب الدينية ليس استهدافا لحرية المعتقد بل حماية لمدنية الدولة ….
تونس اونيفارنيوز لم يعد النقاش حول تنظيم الإخوان المسلمين، في تونس كما في غيرها، مجرد خلاف سياسي بين خصوم وحلفاء، بل أصبح سؤالاً يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل يمكن لتنظيم يقوم على مرجعية دينية عابرة للحدود، ويقدّم الانتماء العقائدي على الانتماء الوطني، أن يكون جزءاً من نظام ديمقراطي مدني يقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون؟
الدكتور عميرة علية الصغير اعتبر أن التجربة التونسية، كما تجارب دول أخرى، أن الجواب هو لا.
فما كشفت عنه التحقيقات والأحكام القضائية في القضايا المرتبطة بما يُعرف بـ”الجهاز الخاص” لحركة النهضة، وما أثير بشأن علاقته بملفات الاغتيالات السياسية، لم يعد يسمح بالتعامل مع هذا الملف باعتباره مجرد خصومة سياسية أو سجالاً إيديولوجياً.
فالقضية تتجاوز الأشخاص والأحزاب إلى مساءلة المشروع الفكري والتنظيمي الذي تنتمي إليه الحركة، ومدى انسجامه مع أسس الدولة المدنية.
أما حادثة الحريق التي استهدفت مقر حركة النهضة في 10 ديسمبر 2021، لا ينبغي أن تكون هي محور النقاش أو أساس الحكم على الحركة.
فالوقائع الأمنية والقضائية تُعالج وفق القانون، أما تقييم أي تنظيم سياسي فينبغي أن يستند إلى تاريخه، وأفكاره، وممارساته، والنتائج التي أفرزها وجوده في الحياة العامة.
لقد قدمت حركة النهضة نفسها سنوات طويلة باعتبارها حزباً مدنياً يؤمن بالديمقراطية والتعددية. غير أن منتقديها يرون أن هذا الخطاب لم يكن سوى غطاء سياسي، بينما بقيت المرجعية الفكرية والتنظيمية مستمدة من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، التي تجعل المشروع العقائدي مقدماً على الدولة الوطنية، وتعتبر السياسة وسيلة لتحقيق غايات دينية لا غاية وطنية مستقلة.
ومن هنا جاء مطلب الحزب الدستوري الحر سنة 2020 بتصنيف حركة النهضة تنظيماً إرهابياً، باعتبارها امتداداً لتنظيم الإخوان المسلمين. حيث يرى مؤيدوا هذه المبادرة أن تغيب عدد من الكتل البرلمانية عن الجلسة المخصصة للنظر فيها عكس غياب إرادة سياسية لحسم هذا الملف، رغم حساسيته بالنسبة لمستقبل الدولة التونسية.
ويستند هذا الموقف أيضاً إلى قراءة تاريخية لفكر الإخوان المسلمين، انطلاقاً من حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي وصولاً إلى يوسف القرضاوي.
فهذه الأدبيات رسخت مفاهيم مثل “الحاكمية” و”الجاهلية” واحتكار الحقيقة الدينية، وهي أفكار يعتبرون أنها أسهمت في تشكيل البيئة الفكرية التي استندت إليها لاحقاً جماعات متطرفة وعنيفة، وإن كانت تلك الجماعات تختلف تنظيمياً عن الإخوان.
واليوم بعد أن تجلت عدة حقائق صنفت عدة دول عربية الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، بينما اتخذت دول أوروبية، من بينها فرنسا، إجراءات أكثر تشدداً تجاه التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، بدافع الحد من التطرف وحماية النظام الجمهوري، مع بقاء المواقف القانونية والسياسية متفاوتة من دولة إلى أخرى.
في تونس شهدت سنوات ما بعد 2011 تصعيدا غير مسبوق في الإرهاب والاغتيالات السياسية والعنف، وعليه تستوجب تلك المرحلة مراجعة نقدية شاملة، تشمل مسؤولية مختلف القوى التي شاركت في الحكم أو وفرت الغطاء السياسي أو الفكري لخطابات متشددة، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها.
ومن هذا المنطلق، يعتقد الدكتور عميرة ان هذا التوجه فيه حماية للدولة المدنية بما يتطلبه من منع لتوظيف الدين في التنافس الحزبي، لأن الحزب الديني لا ينافس خصومه ببرنامج سياسي قابل للنقاش، بل يمنح خياراته بعداً عقائدياً يجعل معارضته تبدو، في نظر أنصاره، معارضة للدين نفسه، وهو ما يخلّ بمبدأ المساواة بين المواطنين ويقوض قواعد المنافسة الديمقراطية.
إن الديمقراطية لا تعني فتح المجال لكل مشروع، بل تقتضي أيضاً حماية النظام الديمقراطي ممن يعمل على استغلال آلياته للوصول إلى السلطة ثم إعادة تشكيل الدولة على أسس تناقض مبادئها. ولهذا يؤكد الدكتور عميرة أن حظر الأحزاب ذات المرجعية الدينية، وتجريم التنظيمات التي يثبت ارتباطها بمشاريع تتعارض مع الدولة المدنية أو تمثل خطراً على الأمن الوطني، ليس استهدافاً لحرية الاعتقاد أو للتدين، وإنما هو إجراء يهدف إلى حماية الجمهورية، وصيانة حياد الدولة، وضمان أن يبقى التنافس السياسي قائماً على البرامج والكفاءة والمساءلة، لا على احتكار الحديث باسم الدين أو توظيفه في الصراع على السلطة.



