تونس اونيفارنيوز يصعب أن ينسى التونسيون بسرعة ما عاشوه في صائفة 2026 من تساوق ظواهر نغصت حياتهم ونقلت تمثل فصل الصيف كزائر خفيف الظل يضرب فيه الناس موعدا مع الراحة والاسترخاء والمتعة إلى ضيف ثقيل الظل فرض عليهم مواجهة حالات من ” الندرة ” التي نغصت عيشهم وفرضت عليهم جهودا لا حصر لها للتعامل مع متاعب إضافية تضاف إلى متاعب سابقة في الصحة والتعليم والبيئة.
طالت المتاعب أمرين حيويين أيضا وهما الماء والكهرباء.انقطاعات متكررة للكهرباء وفقدان المياه المعدنية من الأسواق وتحولها إلى سلعة نادرة ارتفعت أسعارها بشكل سريع وهو ما أعاد أيضا السؤال عن أسباب تدهور نوعية المياه التي توزعها شركة استغلال وتوزيع المياه والتي يفترض أن تكون صالحة للشراب.
تحولت حياة التونسيين في هذه الصائفة إلى ما يشبه المراوحة والعيش المستقطع بين ” لحظات مسروقة ” من توفر الكهرباء والحصول على قوارير من المياه المعدنية وساعات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي والبحث عن الماء المعدني. أزمة أكدت، مرة أخرى، عجز الحكومة عن الاستباق وأيضا عن إدارة الأزمات بطريقة صحيحة إذ راوحت بين صمت هو دليل عجز وتخبط وخطاب ” العادة ” الذي لا يعرف إلا الحديث عن المؤامرة ومحاولة بعض التقنيين تقديم تفسير معقول من أبرز مكوناته الإشارة إلى غياب تعامل جدي مع الحاجة إلى تعهد شبكة إنتاج وتوزيع الكهرباء وتوزيع المياه بالتعهد والتطوير.
أزمة المياه المعدنية، والتي طالت في السابق مواد غذائية أخرى كالفارينة والسكر كشفت أيضا عجز سردية الحكومة عن تقديم تفسير مقنع وأبرزت قصور سياساتها. إجراءات ” محاربة الاحتكار ” التي طغى عليها الجانب الاستعراضي ساهمت، من حيث تدري أو لا تدري، في تعزيز شبكات الاحتكار.
ذلك أن قانون الشيكات الجديد أجبر عدد كبيرا من تجار المواد الغذائية بالجملة على الانسحاب ودفعهم في أفضل الحالات على التخلي عن تكوين مخزون استراتيجي من المواد الغذائية.
وحين نضيف إلى ذلك الخلط بين الخزن المرتبط بأبجديات التجارة والاحتكار والذي خلق حالة من التخوف لدى التجار نفهم أن شبكات التوزيع التقليدية قد أصيبت ب”ضربات” كسرت تسلسلها وفتحت الباب أمام تداول العملة وابعادها عن المسار البنكي وفتحت باب المحتكرين الحقيقيين أمام أساليب جديدة لمزيد الاثراء.
وهنا نعني بوضوح بعض شركات الإنتاج التي تستحوذ على حصة هامة من سوق المياه المعدنية والتي قامت بتأسيس ” شركات تجارة بالجملة ” ووضعت على رأسها مالكين صوريين وأصبحت تبيع لها بشكل حصري وتمنحها حق التعامل مع تجار الجملة.
هناك على الأقل شركتان من أكبر شركات استغلال المياه المعدنية تنتهجان هذا الأسلوب. وحين نضيف محاربة الدولة لكل محاولات التخزين لتكوين احتياطي استراتيجي ندرك أننا أمام تحول هيكلي ومنهجي في توزيع المواد الغذائية مع ظهور ” وسطاء” جدد منحهم السوق اسم ” الدوارجية ” لأنهم يلعبون دورا في ” تدوير السلع ” هؤلاء لا صفة قانونية أو مهنية لهم .
يشترون المياه المعدنية نقدا وخارج المسالك المعلومة ويتولون ترويجها بنفس الطريقة ليحققوا أرباحا سريعة ويفرضون الزيادة في ثمنها. اللافت أن الأيام الفارطة أظهرت ما يشبه ” قبول ” كل الأطراف به .
الحكومة أبقاها هذا الأسلوب في تمشي بذل المجهود الأدنى وحافظت بفضله على سردية المؤامرة التي تمثل حجر الزاوية في رؤيتها منذ 2019.
المنتجون مستفيدون بشكل كبير والمواطن يبدو أنه قد أصبح منسجما مع ما تفرضه سياسات الندرة من بحث عن حلول ذاتية وفردية ومن انخراط في ممارسات الجري واللهاث وراء المواد المفقودة. أكثر من ذلك تحولت لهفة المواطن إلى أداة دعم وتغذية لسياسات الندرة والتلاعب بشفافية السوق.




