أخبار مهمة

قرطاج… أول دولة عرفت المحكمة الدستورية في التاريخ….

قرطاج سبقت العالم دستور ،قضاء ورقابة على الحكام قبل أكثر من ألفي عام…

تونس اونيفارنيوز كشف أستاذ الحضارة والتاريخ أبو لبابة النصيري أن الحضارة القرطاجية لم تكن مجرد قوة عسكرية أو تجارية، بل قامت على منظومة سياسية وقانونية متقدمة، تجلّت في سنّ القوانين، والفصل بين السلطات، وإخضاع السلطة التنفيذية للرقابة القضائية، ومكافحة الفساد ومنع الاستبداد بالحكم.

وأشار إلى أن قرطاج عرفت أول محكمة دستورية في التاريخ، بل والمحكمة الوحيدة من هذا النوع في العالم القديم، وهو ما شهد به عدد من كبار فلاسفة ومؤرخي العصور القديمة، من بينهم أرسطو وأفلاطون، والمؤرخ اليوناني بوليبيوس، والمؤرخ سترابو، والأديب الروماني تيتوس ليفيوس.

مجلس المائة

إلى جانب المحاكم العادية المختصة بالنظر في القضايا المدنية والجزائية، عرف النظام القضائي القرطاجي هيئة عليا أطلق عليها اسم “مجلس المائة”، وكانت تختص بالنظر في القضايا المتعلقة بالتصرف الإداري، سواء في المجال المدني أو العسكري، ولا سيما القضايا المرتبطة بأمن الدولة. وتميزت هذه المحكمة بكون أعضائها يتمتعون بعضوية دائمة، وقد أُنشئت أساسًا لمكافحة الفساد والتصدي لكل من يحاول التعدي على مؤسسات الدولة أو الاستئثار بالسلطة والتحكم في مفاصلها.

وقد وردت أخبار هذه المحكمة في مؤلفات المؤرخ يوستينوس في القرن الثالث الميلادي، ويُرجح أنه استند في ذلك إلى مؤلفات من سبقوه. وتشير المعطيات التاريخية إلى أن إنشاءها يعود إلى الفترة الممتدة بين أواخر القرن الخامس وبداية القرن الرابع قبل الميلاد، خلال عهد الأسرة الماجونية، حيث واصلت أداء مهامها لعدة أجيال، محافظة على تسيير شؤون الدولة في إطار الشرعية والقانون.

غير أن الشعب القرطاجي بدأ يتخوف من استمرار بعض الحكام في السلطة وما قد ينجم عن ذلك من استبداد، فتم إرساء محكمة المائة لتتولى محاسبة أصحاب السلطة التنفيذية وقادة الجيوش. فكان القضاة وكبار المسؤولين والقادة العسكريون، بعد انتهاء مهامهم، يمثلون أمام هذه المحكمة لتقديم تقارير مفصلة عن أعمالهم وتصرفاتهم أثناء فترة توليهم المسؤولية.

وفي معرض حديثه عن الأسرة الماجونية، كتب يوستينوس:

“ولما كانت هذه الأسرة القوية تمس بالحريات العامة وتستأثر بالحكم والعدالة، تم بعث محكمة تتركب من مائة قاضٍ يُنتخبون من بين أعضاء مجلس الشيوخ. وفي أعقاب الحرب، بات من الضروري أن يمثل القادة أمام هذه المحكمة ويقدموا تقارير حول ما قاموا به أثناء الحرب، حتى يكون الخوف من سلطان القوانين والمحاكمة في قرطاج رادعًا يشعرهم بضرورة احترام الدولة أثناء ممارسة القيادة.”

ويؤكد هذا النص، بحسب أبو لبابة النصيري، حيوية الدستور والقوانين في قرطاج، كما يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الفصل بين السلطات، وحرص القرطاجيين على منع تركيز السلطة في يد شخص واحد، سواء في الحكم أو في القضاء.

إلا أن هذه المحكمة، التي أُنشئت في الأصل لحماية الدستور وسيادة القانون، تحولت مع مرور الزمن إلى أداة شديدة الصرامة، وأصبحت تمثل مصدر رهبة لكل من يتولى مسؤولية مدنية أو عسكرية، الأمر الذي أدى إلى تراجع روح المبادرة لدى بعض المسؤولين خشية التعرض للمساءلة.

وعندما تولى حنبعل منصب الأسباطية سنة 196 قبل الميلاد، لم يتردد في حل هذه المحكمة العليا، سعيًا إلى إعادة الثقة للمواطنين، وطمأنتهم على أموالهم وأنفسهم، والحد من حالة الخوف التي أصبحت تفرضها هذه المؤسسة على الحياة العامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى