أخبار مهمة

ارتفاع سعر النفط يضع تونس أمام اختبار اقتصادي صعب…

تبعية طاقية لتونس بإمتياز

تونس اونيفارنيوز تثبت الأزمات الجيوسياسية المتعاقبة، مرة أخرى، أن الجغرافيا لا تمنح حصانة للاقتصادات الناشئة ضد شظايا الحروب البعيدة، حيث تعيد براميل النفط المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط رسم الخرائط المالية للدول المستوردة للطاقة بكثير من القسوة.

 ومع عودة النزاع العسكري المباشر وغير المباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران وتصاعد المخاوف الدولية من شلل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز قفزت أسعار خام برنت القياسي إلى مستويات عالية.

 ورغم أن هذا الصراع الإقليمي ارتداداته تمس مباشرة العمق الاقتصادي التونسي، لتصطدم بجمود الهياكل المالية المحلية، وتضع البلاد أمام اختبار غير مسبوق يزيد من تعقيد مسارات الإصلاح والاستقرار المالي والاجتماعي.

 ولا خلاف ان تونس تعاني البلاد منذ سنوات من “عجز طاقي هيكلي” متفاقم، ناتج عن تراجع الإنتاج المحلي من الحقول الوطنية مقابل تنامي الطلب الداخلي. هذه الفجوة يتم سدها عبر الاستيراد المباشر للنفط الخام والغاز الطبيعي والمشتقات البترولية الجاهزة، مما يضع الميزان التجاري لقطاع الطاقة في صدارة مكامن الهشاشة الاقتصادية. وعندما تقفز الأسعار العالمية بفعل الحرب، يتسبب ذلك فوريا في نزيف حاد لمدخرات البلاد من العملة الصعبة لتأمين الشحنات الأساسية، وهو ما يضغط بقوة على احتياطي البنك المركزي، ويخلق طلباً استثنائياً على الدولار واليورو.

وتظهر التداعيات الأكثر خطورة ووضوحاً بالعودة الى الميزانية العامة للدولة التونسية، والتي يتم تاسيسها سنوياً على فرضيات تقديرية لسعر برميل النفط تُعرف بـ “السعر المرجعي”، والذي عادة ما يدور في فلك 75 إلى 85 دولاراً للبرميل وفقاً للظروف المعتادة.

لكن المعادلة الحسابية المعتمدة لدى وزارة المالية التونسية تكشف عن لغم حقيقي؛ إذ إن كل زيادة بقيمة دولار واحد فقط في سعر البرميل فوق ذلك السعر المرجعي المفترض، تكلف خزينة الدولة نفقات دعم إضافية تتراوح بين 100 و140 مليون دينار تونسي. وبالتالي، فإن بقاء الأسعار في مستويات تفوق الـ 90 أو 100 دولار لفترة ممتدة بفعل استمرار الصراع الأمريكي-الإيراني، يعني تلقائياً تولد عجز مالي طارئ بمليارات الدنانير في بند دعم المحروقات.

ولا تقف آثار ارتفاع اسعار النفط عند هذا الحد ، بل تتدفق بسلاسة لتصيب تفاصيل الحياة اليومية للمواطن والشركات.

 فالمؤسسات الاقتصادية التونسية، وخاصة الصناعات التحويلية والنسيج والخدمات، تجد نفسها بدورها في مواجهة فواتير كهرباء وطاقة باهظة، مما يقلص هوامش ربحها وقد يضطر بعضها إلى تقليص ساعات العمل أو تسريح العمال لخفض التكاليف .

اكثر  من ذلك، فإن هذه الأزمة تعيد صياغة أولويات الإنفاق الحكومي بشكل مشوه؛ فمن أجل الوفاء بالتزامات استيراد الطاقة وتفادي حدوث نقص في التزويد تضطر الدولة غالباً إلى إجراء “مناقلات مالية” داخل الميزانية، بحيث تضحي بنفقات الاستثمار والتنمية الموجهة لإقامة المستشفيات، المدارس…. لتوجيه تلك السيولة نحو سداد فواتير النفط العاجلة. 

ان ارتفاع أسعار النفط جراء عودة الصراع الأمريكي-الإيراني ليس مجرد حدث عابر في أسواق المال، بل هو مرآة تعكس عمق التبعية الطاقية للاقتصاد التونسي ومدى هشاشته أمام الصدمات الخارجية الحادة.

اسماء وهاجر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى