خبير : الأمراض المهنية ارتفعت بـ25% والوقاية غائبة…

تونس -أونيفار نيوز -دقّ الخبير والمختص في الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، ناقوس الخطر بشأن التنامي المتواصل للأمراض المهنية وحوادث الشغل في تونس. واعتبر، في تصريح اعلامي أن المؤشرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة باتت تفرض إدراج هذا الملف بشكل عاجل ضمن أولويات الحوار الاجتماعي والإصلاحات المرتقبة لمنظومة الضمان الاجتماعي بالبلاد.
واستند في تحذيراته إلى المعطيات الرسمية الصادرة عن الصندوق الوطني للتأمين على المرض (كنام)، والتي أظهرت قفزة نوعية في عدد الأمراض المهنية المصرح بها بنسبة بلغت 25.1% خلال سنة 2023 مقارنة بالسنة السابقة لها؛ حيث سُجّل رسمياً 3524 مرضاً مهنياً. وتصدرت اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي وأمراض الجهاز التنفسي قائمة هذه الإصابات لتستأثر وحدها بنحو 90% من مجموع الحالات. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فقد أكد الخبير أنها لا تعكس الواقع الفعلي لشغل التونسيين؛ نظراً لضعف نسب التصريح وغياب الإحصائيات الدقيقة في قطاعات واسعة، من بينها الوظيفة العمومية والقطاع الموازي الذي يستوعب عمالة مكثفة، فضلاً عن تردد أجراء القطاع الخاص في التبليغ عن إصاباتهم خوفاً من فقدان وظائفهم أو بسبب تعقيد الإجراءات الإدارية للحصول على التعويضات.
وفي سياق متصل، استعرض الخبير التحولات العميقة التي شهدها عالم الشغل في السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أنها أفرزت أنماطاً مستجدة من الأمراض تتجاوز الإصابات الجسدية التقليدية إلى أزمات نفسية حادة مثل الإجهاد المهني، والاحتراق الوظيفي، والضغوط المتزايدة في بيئات العمل الحديثة. كما أوضح أن الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية، والعمل المستمر أمام شاشات الحواسيب، والعمل عن بُعد، أدت كلها إلى ظهور مشاكل صحية معقدة تمس بالأساس النظر، والمفاصل، والجهاز العصبي، وهي اضطرابات تتطور ببطء وقد لا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات طويلة من الممارسة المهنية.
وتطرق إلى خارطة القطاعات الأكثر عرضة لهذه المخاطر، واضعاً قطاع النسيج والملابس، والجلود والأحذية، والصناعات الكهربائية والميكانيكية، وصناعة مكونات السيارات، بالإضافة إلى قطاعي البناء والنظافة في صدارة المجالات المهددة. وعزا ذلك إلى طبيعة ظروف العمل القاسية والتعرض المستمر للضجيج والمواد الكيميائية، ناهيك عن استخدام معدات وتجهيزات لا تطابق معايير السلامة المطلوبة. كما نبه إلى “الحلقة المفقودة” في الإحصائيات والمتعلقة بوضعية عمال وعاملات القطاع الفلاحي غير المصرح بهم، والذين يواجهون يومياً مخاطر تسمم المبيدات، وحوادث التنقل غير الآمن، والعمل الميداني الشاق دون أي مظلة حمائية.
وانتقد بشدة البنية الهيكلية لمنظومة الوقاية الحالية، معتبراً إياها “دون المأمول” رغم تعدد الآليات المتاحة من طب الشغل، ولجان الصحة والسلامة، وتفقديات العمل.
وكشف الخبير عن خلل صارخ في توجيه الموارد المالية؛ إذ تلتهم التعويضات وجبر الأضرار نحو 90% من نفقات هذا المجال، في حين لا يُخصص للوقاية والحماية سوى 10% فقط، وهو توجيه مقلوب يتعارض تماماً مع التجارب الدولية الناجحة التي تستثمر في استباق المخاطر قبل وقوعها.
ودعا صُنّاع القرار إلى مراجعة شاملة للإطار التشريعي المنظم للأمراض المهنية وحوادث الشغل الذي يعود في أجزاء هامة منه إلى سنتي 1994 و1995 ولم يعد يواكب وتيرة تشغيل العصر الرقمي. وطالب بتحيين دوري وقريب لقائمة الأمراض المهنية لدمج التداعيات الصحية للتكنولوجيا الحديثة، مع تعزيز الرقابة الميدانية وتدعيم أدوار أطباء وتفقديات الشغل.



